الأسبوع العربيتكنولوجيا ومعلوماتمقالاتمنوعات

المصداقية تصنع خلود الكلمة الصادقة

المصداقية تصنع خلود الكلمة الصادقة
 بقلم المهندس/ ياسر أبو الغيط

لم تعد مواقع التواصل الإجتماعى مجرد منصات لتبادل الأخبار والآراء. بل أصبحت مصانع حقيقية لتشكيل الوعى العام. والكلمة التى تُكتب فيها قد ترفع إنساناً إلى مكانة يستحقها. وقد تصنع وهماً لا يعيش طويلاً. ولذلك فإن من يدير صفحة أو يكتب منشوراً يحمل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مسؤولية إعلامية.

المشكلة ليست فى أن نُشيد بمسؤول ناجح. أو بفنان مبدع. أو بلاعب قدم إنجازاً يستحق التصفيق. فالإنصاف يقتضى أن نعطى كل ذى حق حقه. وأن نحتفل بكل نجاح حقيقى يخدم الوطن أو يسعد الناس. لكن الأزمة تبدأ عندما يتحول الإعجاب إلى عبادة. ويتحول التقدير إلى تطبيل. ويتحول الإعلام إلى مرآة لا تعكس إلا لوناً واحداً.

هناك صفحات لا تعرف سوى لغة المديح. تكتب عن الشخصية نفسها صباحاً ومساءً. وكأنها لم تخطئ يوماً. وكأنها بلغت الكمال الذى لم يبلغه بشر. حتى يُخيَّل إلى القارئ أن هذا المسؤول إخترع القنبلة الهيدروجينية. أو أن هذا الفنان أعاد كتابة تاريخ الفن وحده. أو أن كرة القدم لم تعرف قبله لاعباً. وهنا يفقد الكلام قيمته. لأن المبالغة هى أول أبواب فقدان الثقة.

المتابع اليوم أكثر وعياً مما يتصور البعض. يقرأ. ويقارن. ويبحث. ويرى الواقع بعينيه. فإذا وجد أن الصفحة ترسم له مدينة من الأحلام بينما هو يعيش واقعاً مختلفاً تماماً. شعر بأن هناك من يحاول خداعه. وحين تسقط الثقة تسقط معها كل الكلمات مهما كانت منمقة. لأن المصداقية هى رأس مال الكاتب. فإذا أفلس منها فلن تغنيه آلاف المنشورات.

إن التطبيل لا يصنع شعبية. وإنما يصنع ضيقاً فى النفوس. ويزرع الضغينة بين المتابعين. لأن الناس بطبيعتها تميل إلى الكلمة المتوازنة. وتحترم من يذكر الإيجابيات كما يذكر السلبيات. فلا أحد كامل. ولا مؤسسة بلا أخطاء. ولا مسؤول معصوم من التقصير. والإعتراف بالنقص ليس إساءة. بل هو أول الطريق نحو الإصلاح.

وإذا كان لشخصية عامة إنجازات حقيقية. فمن الواجب أن نبرزها بكل فخر. وأن نذكر آثارها على الناس والوطن. فهذا حق لا يجوز إنكاره. لكن الأهم من ذلك أن نسأل. هل يشعر الناس جميعاً بالرضا عن هذه الشخصية. وهل يلمسون تلك الإنجازات فى حياتهم اليومية. وهل إستطاعت أن تكسب إحترام الأغلبية بأفعالها قبل كلمات مؤيديها. فالتاريخ لا يكتبه المصفقون. وإنما يكتبه ضمير الشعوب.

إن الإعلام الصادق لا يخشى النقد. والكاتب الشريف لا يخاف من قول الحقيقة. لأنه يدرك أن النقد الموضوعى ليس هدماً. وإنما هو بناء. وأن كشف السلبيات ليس تشويهاً. وإنما هو محاولة لإصلاح ما يمكن إصلاحه. أما من يجعل قلمه بوقاً للثناء الدائم. فإنه يفقد إحترام القارئ قبل أن يفقد إحترام نفسه.

الكلمة أمانة. والصفحة مسؤولية. والمتابع ليس رقماً فى قائمة الإعجابات. بل عقل يفكر. وضمير يميز. وكل من يظن أن بإمكانه خداع الناس إلى الأبد يعيش وهماً كبيراً. لأن الحقيقة قد تتأخر. لكنها لا تغيب. والوعى قد يصمت. لكنه لا يموت.

سيبقى الكاتب الصادق ولو إختلف معه الناس. وستبقى الصفحة التى تحترم عقول متابعيها ولو قل عدد الإعجابات. أما الصفحات التى جعلت من التمجيد منهجاً. ومن التطبيل رسالة. فإنها قد تحصد آلاف المشاهدات اليوم. لكنها ستخسر أغلى ما يملكه أى إعلامى أو كاتب. وهى ثقة القارئ. وإذا ضاعت الثقة. فلن تعيدها كل عبارات المديح فى العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى