الأسبوع العربيخاطرة

هندسة المسافات

هندسة المسافات

بقلم: هيثم أيوب

لماذا نحتاج إلى “سياج” حول أرواحنا؟
في البدء، اعتقدنا أن الحب هو الاندماج الكامل، وأن القرب المطلق هو دليل الوفاء. لكن الأيام—بمطارقها الثقيلة—تُعلمنا أن أكثر البيوت دفئاً هي تلك التي تملك أبواباً ونوافذ، وأن أجمل الحدائق هي التي يحيط بها سياج يحمي زهورها من أن تطأها الأقدام العابرة دون اكتراث.
إن وضع “الحدود” مع الآخرين ليس إعلاناً للحرب، ولا هو جفاء أو تكبّر، بل هو أعلى درجات “الوعي بالنفس”. هو خط إنذار أحمر نرسمه بهدوء، لنقول من خلاله: إلى هنا تنتهي مساحتك المسموحة، وتبدأ مساحتي المقدسة.
لقد تعلمنا في تجارب الحياة أن الاستباحة تبدأ بخطوة صغيرة؛ بكلمة تتجاوز اللياقة فنمررها بابتسامة مجاملة، أو بتدخل في شأن خاص نبتلعه على مضض خوفاً من “الزعل”. لكن المقابل يكون دائماً باهظاً: ندفعه من سلامنا النفسي، ومن وقارنا، ومن طاقة قلوبنا التي تنزف لإرضاء عقولٍ لا تشبع من السيطرة.
تأملوا الكون من حولنا، ستجدونه مبنياً على “فلسفة المسافات”. حتى النجوم في السماء، لو اقتربت أكثر مما يجب لاحترقت، ولو ابتعدت أكثر مما ينبغي لتاهت في ظلام الفضاء وسقوطه الحُر. المسافة هي العازل الإلهي الذي يحفظ للنظام كينونته. وكذلك البشر؛ تحتاج مع بعضهم إلى “مسافة صفرية” من الحب والإنصات، ومع بعضهم الآخر تحتاج إلى “مسافات فلكية” من الغياب التام لكي تحمي كبرياءك.
إن غلق الباب في وجه العبث، وعزل رادارات القيل والقال، والتوقف عن مجاملة من لا يرحم، ليس قسوة، بل هو توبة متأخرة عن ذنب “الإتاحة المطلقة”.
من حقك أن تضع حدوداً في عملك لكي يحترموا قلمك وجهدك، ومن حقك أن تضع حدوداً في حياتك لكي لا تتحول جراح الماضي إلى طُعمٍ يُجرجرك لمعارك صغيرة لا تليق بك.
ضعوا حدودكم بابتسامة باردة ووقار صامت. فمن يحترمك حقاً سيرى في حدودك هيبةً تشبه هيبة الملوك، أما الشخص الذي يغضبه سياجك، فهو في الحقيقة يتباكى على “المساحة المباحة” التي كان يستغلك فيها!
تعلّموا الفن الأرقى في الحياة: فن هندسة المسافات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى