اخصائي نفسيالأسبوع العربيقصص ورواياتمجلة الأديب العربي

الفصل الرابع عشر: الطيبة والوحش

الفصل الرابع عشر: حين يبقى الوحش وحده
بقلم / سهير محمود عيد
البيت كان واسعًا فجأة.
أوسع مما يحتمل.
الوحش جلس في منتصف الغرفة،
لا صوت أطفال،
لا خطوات،
لا أبواب تُغلق خلفه.
الصمت الذي كان يصنعه بيده
ارتدّ عليه.
مشى في الممر.
فتح باب غرفة الأول.
السرير مرتب.
الكتب في أماكنها.
لا فوضى.
ولا حياة.
دخل غرفة الآخر.
نظر طويلًا إلى المكتب.
إلى الدرج المغلق.
مدّ يده…
ثم سحبها.
لأول مرة،
تردّد.
جلس على الأريكة.
فتح هاتفه.
لا رسائل.
لا اتصالات.
الناس لا تهتم بالسقوط الهادئ.
رنّ الهاتف أخيرًا.
رقم يعرفه.
— «إنت كويس؟»
صمت.
— «سمعت اللي حصل…»
— «مش زي ما الناس فاكرة.»
الجملة التي قالها طوال عمره.
— «إنت لازم تتحكّم في الموضوع… قبل ما يكبر.»
أغلق الهاتف بعنف.
التحكّم.
الكلمة التي خذلته.
وقف أمام المرآة.
نظر إلى وجهه طويلًا.
لم يرَ وحشًا.
رأى رجلاً مرهقًا
لا يعرف متى خسر الجميع.
تذكّر جملة قالها قديمًا:
اللي ما يسمعش… يتكسر.
ضحك ضحكة قصيرة متعبة.
البيت سمعه…
ولم يرتجف.
في المساء،
دخل البيت ظلامه.
لم يشغّل التلفاز.
لم يفتح الأنوار كلها.
جلس في العتمة.
فجأة…
شعر بشيء لم يشعر به من قبل:
اللاجدوى.
لا أحد يخاف.
لا أحد ينتظر رأيه.
لا أحد يحتاج صوته العالي.
القوة حين لا تجد من تخيفه
تتحوّل إلى عبء.
في مكان آخر،
كنت أراقب أولادي وهم ينامون.
تنفّسهم منتظم.
أجسادهم مسترخية.
قال الأول قبل أن ينام:
— «ماما… هو بابا وحيد؟»
سؤال بسيط…
لكن ثقيل.
قلت بعد صمت:
— «هو اختار يبقى لوحده.»
لم أقل أكثر.
لأن الحقيقة لا تحتاج تبريرًا.
في تلك الليلة،
جلس الوحش على الأرض.
ظهره للحائط.
رأسه بين يديه.
ولأول مرة…
لم يكن هناك من يسمع صراخه الداخلي.
الفصل القادم
لن يكون عن الندم…
بل عن المحاولة الأخيرة.
يتبع……

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى