
الأخسرين اعمالا
الفصل السادس
رفضتُ… فهل أخطأت؟
بقلم: سيد جلال الفرماوي
ظل يوسف ينظر إلى الهاتف لدقائق طويلة، وكأن القرار يثقل يده.
ثم أخيراً، ضغط زر الاتصال.
— «نعتذر عن تنفيذ المشروع… سياستنا لا تسمح بأي تعديل خارج إطار الشفافية».
ساد صمتٌ قصير على الطرف الآخر، أعقبه صوت بارد:
— «براحتك… بس الفرص دي ما بتتعوضش».
أغلق يوسف الهاتف، وشعر براحةٍ غريبة تسري في صدره، راحة لم تكن تشبه الفرح بقدر ما كانت تشبه النجاة.
لكن الواقع لم يمنحه وقتاً طويلاً للاحتفال.
مع حلول المساء، عاد إلى البيت ليجد ابنه الصغير يبكي.
كانت دراجته قد انكسرت، ولم يكن هناك مال لإصلاحها. حاول يوسف أن يواسيه، لكن الطفل لم يفهم معنى «بكرة»، ولا يعرف سوى أن لعبته المفضلة تحطمت.
جلس يوسف في ركن الغرفة، وأسند رأسه إلى الحائط.
هنا، يضعف الإنسان.
بكى بصمت، لا لأنه ندم على قراره، بل لأنه شعر بثقل الصدق في عالمٍ لا يرحم.
همس لنفسه:
— «أنا مش يوسف النبي… أنا بني آدم بيتوجع».
في تلك الليلة، فتح هاتفه بنية حذف حساباته على مواقع التواصل.
لم يعد يحتمل مزيداً من الخذلان.
لكن قبل أن يفعل، لفت نظره إشعار رسالة جديدة من حسابٍ لا يعرفه.
قرأها ببطء:
«أستاذ يوسف، أنا موظف في شركة المقاولات اللي زارتكم النهارده. سمعت رفضك من ورا الباب. كنت على وشك أستقيل وأسيب الشغل والحياة، لكن موقفك رجّع لي الأمل. نشرت قصتك من غير أسماء في جروب مهني، والكل بيتكلم دلوقتي عن “المبرمج اللي رفض ملايين علشان ضميره”. في شركة عالمية بتسأل عنك حالياً، لأنها بتدور على الأمانة قبل الخبرة».
تجمّدت دموع يوسف في عينيه.
سقط الهاتف من يده، وخرّ ساجداً لله شكراً.
لم يكن ما حدث مكافأة بقدر ما كان طمأنينة…
طمأنينة بأن الصبر، وإن طال، لا يضيع.
انتظرونا …الفصل السابع





