أخبار

حين تنجلي غشاوة العاطفة

حين تنجلي غشاوة العاطفة

حين تنجلي غشاوة العاطفة
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​إنَّ في النفس الإنسانية صراعاً أزلياً لا يهدأ، معركةً صامتةً تدور رحاها بين بصيرة القلب وبين منطق العقل. ففي كثير من الأحيان، نختار بملء إرادتنا أن نغمض أعين قلوبنا، لا عجزاً عن الرؤية، بل رغبةً في الاستراحة من عناء الحقيقة المرهقة. حين نغلق تلك الأعين التي لطالما ألبست الأشياء أثواباً من المثالية والقدسية، ونقرر أخيراً أن ننظر بعيون عقولنا الباردة والفاحصة، تبدأ الأقنعة بالتساقط واحداً تلو الآخر، وتنكشف أمامنا ماهية الأشياء على حقيقتها المجردة، بعيداً عن زيف التمنيات أو ضجيج المشاعر.
​في تلك اللحظة الفارقة من اليقظة الذهنية، نرى حقيقة كل ما يحيط بنا بوضوحٍ يبعث على الوجل؛ ندرك أننا استنزفنا طاقاتنا، وأحرقنا سنوات من عمرنا في الدفاع المستميت عن قضايا، أو أشخاص، أو أفكار، لطالما جادلنا الآخرين من أجلها بحدة وإصرار. لقد خضنا معارك ضارية، ورفعنا سيوف الكلمات عالياً لنحمي كياناتٍ ظننا أنها تشبهنا، أو اعتقدنا أنها تستحق منا ذلك الوفاء المطلق، لنكتشف في نهاية المطاف تحت ضوء العقل الساطع أنها كانت سراباً لا يسمن ولا يغني من جوع.
​يا له من شعورٍ يمزج بين الخذلان والحرية، حين نكتشف أن ما كنا نعدُّه حصناً منيعاً لا يعدو كونه جداراً متهاوياً، وأن ذاك الذي بذلنا من أجله الغالي والنفيس لم يكن يستحق حتى عناء الالتفات. إنها لحظة التجلي الكبرى، حيث يعيد العقل ترتيب الفوضى التي خلفها القلب، ويضع كل شيء في نصابه الصحيح، معلناً نهاية زمن التبريرات وبداية عصر المواجهة مع الذات؛ مواجهة نعترف فيها بأننا لم نكن ضحايا للآخرين بقدر ما كنا ضحايا لتعلقنا بما لا يستحق التعلق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى