أخبار

صرخات صامتة

صرخات صامتة

صراخات صامتة
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​يجد جُلَّنا نفسه غارقاً في لُجّة حياةٍ لم ينسج خيوطها بيده، بل فُرِضت عليه تفاصيلها فرضاً، وكأننا نسير في دروبٍ رُسمت لنا سلفاً، لا نملك فيها حق الاعتراض أو رفاهية التغيير. إننا نعيش صراعاً أزلياً بين ما تهواه أنفسنا وبين ما تمليه علينا الظروف المتاحة، فغدت أيامنا سلسلة من التنازلات المستمرة؛ نمضي بما هو كائن، لا بما نرجو أن يكون، ونتجرع مرارة “المتاح” هرباً من عدمية “المستحيل”.
​لقد استحالت حيواتنا إلى مجرد استجاباتٍ اضطرارية لأمرٍ واقع لا يرحم، وأصبحت كل تلك المواقف والأحداث التي نعبرها يومياً لا تتماشى مع تطلعاتنا أو أحلامنا الحقيقية، بل هي بدائل باهتة لأمانٍ قديمة وئدت في مهدها. نحن، وللأسف الشديد، لم نمسك يوماً بزمام أمورنا، ولم نذق يوماً طعم الاختيار الحر الذي ينبع من إرادةٍ محضة، بل كنا دوماً مسيّرين تحت وطأة الحاجة، والظروف، والقيود الاجتماعية والمادية التي تحيط بنا كالسياج الشائك.
​وفي أعماق تلك الروح المنكسرة، تظل الرغبات المكبوتة تغلي كمرجلٍ ثائر، وتستوطن الأحلام زوايا الذاكرة المنسية، نتمناها سراً ونخشى البوح بها علناً. إن الواقع، بكل ما أوتي من غلظة وقسوة، قد فرض قيوده المزعومة على معاصمنا، وحوّل صرخاتنا إلى أنينٍ صامتٍ يتردد في أروقة الصدور. هناك، في الداخل، ألف صرخة وصرخة تبحث عن مخرج، وألف حلمٍ يرجو الانعتاق من سجن الاحتمالات الضيقة.
​ومع ذلك، وسط هذا الظلام الدامس، تبرز حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: إن التحرر من أغلال هذا الواقع ليس مستحيلاً، لكنه لا يُمنح إلا لأولئك الذين يحملون في جوهرهم قوةً استثنائية. القوة التي لا تستسلم للمتاح، بل تصنع من العدم فرصة، وتتحدى صلف الواقع بإرادةٍ صلبة. فالحرية الحقيقية ليست في غياب القيود، بل في القدرة على تحطيمها وبناء عالمٍ يشبهنا، مهما كان الثمن باهظاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى