
لكل بداية نهاية
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
يقولون في مأثور القول وعابر الحديث، إنّ مضغة القلب لا تدرك كنه الوجع ولا تعي حجم الألم إلا حين يتجرعه المرءُ غصةً غصة، وإنّ مرارة الفقد لا يحسّ بها إلا من احترق بنارها. لكنهم في غمرة انشغالهم بتلك الحقيقة، ذهلوا وتغافلوا عن حقيقةٍ أسمى وأعمق؛ وهي أن الحبيب في شريعة الحب لا يملك قلباً مستقلاً، بل هو صدىً لروح حبيبه، يعيش ألمَه، ويقتاتُ على وجعه، ويستشعر نبضاتِ ضيقه في حلّه وترحاله، وفي حضوره الطاغي أو غيابه الموحش. إنها وحدة الروح التي تجعل من الأنين واحداً، ولو تباعدت الأجساد.
نعم، وألف نعم.. أقف اليوم أمام أطلال الحكاية، أتساءل في ذهول المحب: تُرى من نكون الآن؟ ويا ويح قلبي من تقلبات القدر، فما عدتُ أدري أكنتُ أنا ابنتك التي تستظل بفيئك، أم غدوتَ أنتَ ابني الذي أُداري عجزَه وأحملُ همّه؟ لقد كنا يوماً طائرين حرّين، نسمو في ملكوت الوجد، ونعلو بجناحين من طهر، نلامس بأطرافنا أفق الأحلام، ونربتُ على ظهر السماء بحنوٍ وألفة، كأننا ملكنا الدنيا وما فيها في لحظة صفاء.
ولكن، واأسفاه على غدر الزمان! فقد هبّت من سكون الغيب عاصفةٌ سوداء، مزمجرةً بريحٍ صرصر، محملةً بذرّات من كدر تشبه في قسوتها وقع الحجارة الصمّاء. لم ترحم تلك الريح رقة أجنحتنا، بل اخترقت كفوف الضياء فينا، ومزقت نسيج الأمل، وأسقطتنا من علياء سمائنا إلى قاع الأرض، ننتفض تحت وطأة الانكسار، ونصارع ألمًا يفوق قدرة الاحتمال.
يا رفيق الروح، أعلمُ يقيناً أن كلماتي هذه، مهما بلغت من البلاغة، لن تكون ضِماداً لجرحك الغائر، ولن تكفيك أحاديث الدنيا لتجبر ما انكسر فيك. إنني في حقيقة الأمر، حين أكتب إليك، إنما أحاول أن أُخفف عن نفسي ثقل ما أحمل، وأبحث في ركام الوجع عن متنفّس. فمن رحم المعاناة الضيقة، ومن قلب الدياجير المظلمة، تولدُ دوماً تلك التفاصيل اللطيفة التي تمنحنا القوة على الاستمرار.
ثق تماماً، أن ليالي النحيب قد آذنت بالرحيل، فلن تبكي عيناك دماً بعد اليوم، ولن ترتعش أطرافك تحت وطأة الألم المرير. سيشرق وجهك بنور النصر، وتستعيد ثغرك ابتسامة الفرح التي غابت طويلاً. فلكل بدايةٍ نهاية مهما طال أمدها، وإن اشتدّ سواد المنتصف واستطال ليله، فإن خيطاً من نورٍ لا بد أن يشقّ حُجب الظلام ليعلن بزوغ فجرٍ جديد.





