أخبار

أكتب لكي أتنفس

أكتب لكي أتنفس

أكتب لكي أتنفس
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​ كتاَباتي تولدُ من رَحِمِ الليالي الصامتة الطويلة، تلك الليالي التي تمنينا فيها لو نصرخُ صرخةً تهزُّ أركان الصمت، لكننا لم نجد أذناً صاغية ولا قلباً يحتوي ضجيجنا؛ فارتدَّ الصدى إلى صدورنا ليتحول إلى حبر. نحن نكتبُ من مرارة الخسارات الصامتة التي لم نُعلن عنها، ومن وجع الوداع الذي وقع بغتةً فلم تستوعبه عقولنا ولم تتقبله قلوبنا، ومن بقايا حبٍّ وُلد مبتوراً ولم يُكتب له التمام، ومن ذاكرةٍ عنيدةٍ تأبى أن تغمض جفونها للنوم، وحنينٍ مستبدٍّ يرفضُ الرحيل ويسكنُ تفاصيل يومنا.
​نحن نكتبُ لأن الكتابة هي طوقُ النجاة الأخير، ولأننا لو لم نُفرغ هذا الثقل على الورق لانكسرت أرواحنا وتفتتت كالفخار. نكتبُ لأن الورق هو الكائن الوحيد الذي لا ينصبُ لنا المشانق، ولا يحاكمُ ضعفنا، ولا يجلدُنا بسياط اللوم، ولا يسألنا بفضولٍ جارح”لماذا تتألمون؟”. بل هو الصديق الوفي الذي يفتحُ لنا ذراعيه بغير شروط، ويهمسُ في روعنا”اكتبوا، فرِّغوا ما في صدوركم”، حتى وإن كانت الكلماتُ تنزفُ دماً وتبكي حزناً.
​نلجأُ إلى الحروف حين تضيقُ بنا الدنيا بما رحبت، وحين نشعرُ بـغصّة الاختناق في أزقة الحياة الضيقة، فنفرُّ إلى الكلمات لنرتب من خلالها فوضى أرواحنا المبعثرة، ونعيد صياغة شتاتنا. إننا نكتبُ من ذاك المكان العميق جداً في الداخل، حيث تضيقُ الصدور بما لا يُمكن وصفه أو البوح به لغير الله. نكتبُ من وجعٍ علق في حنجرة الروح، ومن ذكرى موجعةٍ تنبشُ في الحاضر، ومن إنصافٍ غائبٍ لحبٍّ كان صادقاً. نكتبُ حين يصبح الصمتُ حملاً ثقيلاً ينوءُ به الكاهل، وأثقل من كل كلامٍ قد يُقال. إننا نكتبُ لننقذ ما تبقى منا من الانهيار، ولأن الحرف وحده هو الذي يمتلكُ تلك القدرة الخارقة على احتمالنا بكل ما فينا من تعب ووجع وخذلان الحياة.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى