أخبار

هذه أنا

هذه أنا

هذه أنا
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​إنني اليوم أقفُ كبنيانٍ رصين، لم يرتفع شأنه بمحض الصدفة، ولم يتشكل قوامُه في ليلةٍ وضحاها، بل أنا خُلاصةُ التراكمات، وثمرةُ تلك السنين التي عبرتني وعبرتها. أنا الكائنُ الذي نحتتهُ التجاربُ بإزميلها الحاد، وصاغتهُ الأيامُ بمطرقتها وسندانها؛ فكلُّ موقفٍ مررتُ به، وكلُّ دربٍ سلكته، كان بمثابةِ لبنةٍ أساسية في جدارِ شخصيتي الحالي.
​لستُ مجرد اسمٍ أو ملامح، بل أنا صنيعةُ الأفكار التي استقيتها من بطون الكتب، وتلك السطور التي سكنت عقلي فغيرت مجرى رؤيتي للكون. أنا انعكاسٌ لكل من جاورتهم، واقتفيتُ أثرهم، وتعلَّمتُ من حكمتهم؛ فكلُّ مُعلمٍ نهلتُ من علمه، وكلُّ قدوةٍ تابعتُ خُطاها، تركوا في نفسي بصمةً لا تُمحى، وصاروا جزءاً من نسيجي الفكري والروحي.
​وإنني في هذا المقام، أرفعُ آياتِ الامتنانِ العظيم لكل تلك العناصر التي تضافرت لتصنع مني ما أنا عليه الآن. لا يقتصرُ امتناني على اللحظاتِ المشرقة والنجاحاتِ المدوية فحسب، بل إنني أدينُ بالفضل الأكبر لتلك التجارب القاسية التي اعتصرت روحي وأورثتني ألماً مريراً. ففي جوفِ تلك المعاناة، وُلدت قوتي، وفي عتمة الانكسار، تعلمتُ كيف أستضيء بنوري الداخلي. لقد كانت الآلامُ مدرسةً صامتة، هذّبت نفسي، وصقلت معدني، وجعلتني أكثر بصيرةً ونضجاً.
​هذا الإدراكُ العميق يغرسُ في وجداني قناعةً راسخة لا تزلزلها الرياح؛ وهي أنَّ كل عسرةٍ أكابدُها اليوم، وكل ضيقٍ يضيقُ به صدري في اللحظة الراهنة، ما هو إلا مادةٌ خام لنجاحٍ مستقبلي، أو حجرُ زاوية لوعيٍ جديد. إنني أنظرُ إلى مصاعب الحاضر بعينِ المستبصر، موقناً تمام اليقين بأنني سأقفُ غداً على أعتابِ المستقبل، لأنظر للوراء بابتسامةِ رِضا، شاكراً لهذه الشدائد أنها صنعت مني شخصاً أعظم وأقوى وأكثر حكمة. أنا لستُ ضحيةً لما حدث لي، بل أنا البطلُ الذي تشكَّل بما مرَّ به.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى