ديون المال تسد.. لكن ديون المواقف تبقى للأبد: العملة التي لا تخضع للتضخم
بقلم باهر رجب
في عالم تحكمه الأرقام والمصالح المادية، نجد أنفسنا غالبا منشغلين بحسابات الربح والخسارة، والديون والالتزامات المالية. لكن، ومع مرور الأيام وتراكم الخبرات، يكتشف الإنسان أن أثقل الديون ليست تلك التي تسجل في دفاتر البنوك أو تقضى بالأوراق النقدية، بل هي “ديون المواقف” التي تحفر في ذاكرة القلب والوجدان.
يقول المثل الدارج: “دين المال يسد، ودين المواقف يبقى للأبد”، وهي عبارة تختصر فلسفة عميقة في العلاقات الإنسانية. فالمال، مهما بلغت قيمته، يظل وسيلة مادية قابلة للتعويض، أما الموقف النبيل في لحظة انكسار، أو الوقفة الصادقة في وقت الشدة، فهي التزامات معنوية لا توفيها كنوز الأرض.

الفرق بين الالتزام المادي والارتباط الوجداني
عندما يقترض شخص من آخر مبلغا من المال، تنتهي العلاقة التعاقدية بمجرد رد المبلغ. إذ تعود الكفتان إلى التوازن المادي. لكن “دين الموقف” يختلف تماما، فهو ينشأ في لحظة احتياج نفسي أو معنوي، حين يمد لك أحدهم يده وأنت في قاع اليأس، أو يمنحك كتفا لتستند إليه والجميع من حولك مشغولون بأنفسهم.
هذا النوع من الديون لا يقاس بالكم، بل بالتوقيت والأثر. إن كلمة تشجيع في وقت الفشل، أو دفاعا عن غائب في مجلس غيبة، أو مساندة في أزمة صحية أو عائلية، هي مواقف تصنع “رصيدا أبداً” من الامتنان لا يمكن للزمن أن يمحوه.
لماذا لا تنسى ديون المواقف؟
السبب يكمن في أن المواقف هي الاختبار الحقيقي للمعادن. فالصداقة و القرابة و الزمالة تظل مجرد مسميات اجتماعية حتى تأتي “اللحظة الفارقة” التي تمنح هذه المسميات معناها الحقيقي. المواقف الصعبة تعمل كالغربال. تسقط منها الوجوه المزيفة ويبقى فيها من استثمر فيك بصدق.
الإنسان بطبعه قد ينسى ما قلته له، وقد ينسى حتى ما فعلته من أجله في ظروف الرخاء، لكنه أبداً لا ينسى كيف جعلته يشعر في لحظة ضعفه. هذا الشعور بالأمان أو الدعم هو ما يجعل الدين باقيا، ليس ثقلا على الصدر، بل تقديرا يسكن الروح.
أخلاقيات رد الجميل
إن الوفاء لديون المواقف لا يعني بالضرورة رد “نفس الفعل”، بل يعني الحفاظ على تلك القيمة، والاعتراف بالفضل، وأن تكون حاضرا للشخص ذاته حين يحتاجك. الوفاء هو الضمان الوحيد لاستمرار التكافل الإنساني. فالمجتمعات التي لا تقدر المواقف النبيلة تتحول إلى غابات باردة تسكنها المصلحة فقط.
ومن نبل الأخلاق أيضا ألا يمن صاحب الموقف بموقفه. فالذي يقدم المساعدة لكي يمتلك قرار الاختبار أو بذله لاحقا، قد حول موقفه من “دين شرف” إلى “تجارة رخيصة”، وهنا يفقد الموقف قيمته الروحية ويصبح عبئا يود المرء التخلص منه بدلا من الوفاء له.
ختاما، إن العملات الورقية قد تنهار قيمتها، والأسواق قد تتقلب، لكن “بورصة المواقف” تظل ثابتة. فاحرص على أن تترك خلفك ديونا من الحب والاحترام في قلوب الناس، واعلم أن أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس رصيدا بنكيا، بل سيرة عطرة ومواقف جعلت حياة الآخرين أقل مرارة.





