أخبار

الرحيل الصامت

الرحيل الصامت

الرحيل الصامت
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​لم تكن نقطة النهاية في قصتهما دويًّا لافتًا، ولم تكن صرخة مدوية في وجه الخلافات، بل كانت أشبه بغروبٍ حزين تسلل ببطء حتى ابتلع الضياء تمامًا. إن أشدّ أنواع الفراق قسوة ليس ذاك الذي يشتعل بنيران المشاجرات العنيفة أو المواقف الصادمة، بل هو ذلك الذي ينمو في تربة “الإهمال التدريجي”، حيث تموت المشاعر وقوفًا كما تموت الأشجار حين يقطع عنها شريان الحياة.
​لقد وقع الطرف الأول في فخ “الاعتياد”، وهي الخطيئة الكبرى في دستور العلاقات. ظنّ واهمًا أن وجود الطرف الآخر في حياته أصبح حقًا مكتسبًا وثابتًا لا يزحزحه ريح، فاتكأ على أرائك الطمأنينة الزائفة. وبمرور الوقت، تحولت الكلمات الدافئة إلى صمت، والاهتمام بالتفاصيل الصغير إلى تجاهلٍ متعمد، ظنًا منه أن الرصيد القديم من الحب يكفي لترميم ثقوب الحاضر. لقد وثق بالبقاء لدرجة أنه نسي أن القلوب، مهما بلغت درجة وفائها، تذبل إذا لم تُسقَ بماء الرعاية والتقدير.
​وعلى الضفة الأخرى، كان هناك قلبٌ يحترق بصمت. ذلك الطرف الذي كان بالأمس القريب يسكن في سويداء العين ويتربع على عرش الأولويات، وجد نفسه فجأة ينسحب نحو “الهامش”؛ تلك المنطقة الباردة التي لا يشعر بها أحد. إنها مرارة لا توصف أن يجد المرء نفسه غريبًا في مكانٍ كان يظنه موطنه، وأن يتحول من “الكل” إلى “لاشيء” في عين من يحب. لم يكن يطلب المستحيل، بل كان يطلب حق الشعور بأنه لا يزال مرئيًا، مسموعًا، ومقدرًا.
​تذكروا دائمًا أن العلاقات التي تنتهي بالتدريج، وبفعل التراكمات الصغيرة التي تم التغاضي عنها، هي العلاقات التي لا تجد طريقًا للعودة أبدًا. إن الانفجار العنيف قد يتبعه اعتذارٌ وعناق، أما التآكل البطيء فيخلق فجوة لا يملؤها ندم ولا يعبرها حنين. عندما يقرر “المُهمَل” الرحيل بعد طول صبر، فإنه لا يرحل غاضبًا فحسب، بل يرحل وهو محملٌ بقناعة تامة بأن ما انكسر بفعل التجاهل قد استحال رمادًا، والرماد لا يشتعل مرتين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى