الأسبوع العربيمنوعات

الرياضة بين الهواية وهوس الشهرة

الرياضة بين الهواية وهوس الشهرة والثراء
بقلم د. هويدا مروان
مما لا مجال لإنكاره الأهمية المثبتة علميًا لممارسة الرياضة من حيث دورها في بناء وتقوية الأبدان وما يفضي إليه ذلك من أثر إيجابي على الصحة العامة بوجه عام والصحة العقلية بصفة خاصة وهو من الثابت والمأثور من التراث الثقافي فيما يخص الصحة فكلنا يحفظ العبارة الشهيرة “العقل السليم في الجسم السليم” وفي الثقافة الدينية تواترت الروايات لحديث “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”. كما وردت الروايات بالأمر بضرورة الحرص على تعليم الأولاد السباحة والرماية وركوب الخيل. كما تؤكد الأبحاث العلمية الموثوقة أهمية ممارسة الرياضة بصفة منتظمة لكل الفئات العمرية.
والحقيقة أن ذلك كله يصب في مسألة أن الرياضة لا تعدو أن تكون إلا وسيلة وطريق ممهدة لهدف أسمى وهو الحفاظ على تلك النعمة العظمى التي منحها الله تعالى الإنسان وهى الصحة والتي -بلا شك- تمثل ثروة الإنسان وعدته للقيام بالدور المنوط به في عمارة الأرض.
ولما تحولت ممارسة الرياضة من الممارسة بشكل فردي بغرض تقوية الجسم إلى ممارسة تنافسية من خلال المسابقات المنظمة مما هو ثابت في المصادر التاريخية ظلت الرياضة ممارسة ترفيهية وهواية تخضع لتمتع صاحبها بالموهبة. وبمرور الزمن وبفعل عوامل تعج بها الدراسات الأكاديمية تغير الحال ولم تعد ممارسة الرياضة رفاهة أو ممارسة لهواية أو بغرض تقوية الصحة؛ بل بات الأمر يصب فى اعتبار الرياضة وسيلة لغاية أخرى وذلك على مستوى الدول والأفراد .
تحولت الرياضة لتجارة تضخ الأموال الضخمة وتسخر لها الموارد والإمكانات لذلك الاعتبار الاقتصادي البحت، وبالتبعية تحول البطل الرياضي إلى الدجاجة التي تبيض ذهبًا لأصحابها، وسلطت الأضواء بشكل ممنهج عليه فصار مثلًا تتطلع إليه قلوب وأبصار النشء والشباب وأصبح هم بعض الأسر أن يلتحق ابنها بأحد الأندية وإن كانت مغمورة أملًا في أن يخطفه نادٍ مشهور من أندية الدرجة الأولى، ينسحب ذلك على لعبة كرة القدم بشكل خاص ثم يأتي بعدها فى ترتيب اهتمامات الأسر باقي الألعاب.
وأصبحت الثيمة المميزة للأم المصرية أنها التي تتحمل عبء الذهاب بالأبناء إلى الأندية لممارسة التدريبات الرياضية ومحاولة الزج به للمشاركة في البطولات وبذل كل غالٍ وثمين في سبيل ذلك، ولا يخفى الضغوط النفسية والمادية التي تتكبلها الأسر، لكن يظل العبء الأكبر يقع على كاهل الابن أو الابنة الذى حرم ممارسة طفولته بشكل طبيعي، فهو مكلف بعبء التدريبات الرياضية فضلًا عن الأعباء الدراسية، فلا وقت للراحة أو الترفيه بالإضافة إلي وجود بعض الخلل الخارج عن الإرادة في مسألة التغذية الصحية التي تناسب ما يبذله من جهد مضاعف.
وبعدما كان التركيز صاحب الأولوية بالاهتمام لدى الأسرة هو المنافسة فى مجال التفوق الدراسي والعلمي بات التفوق الرياضي هو مصدر المباهاة والفخر، وصار الابن مشروع استثماري للأسرة وهو المنوط به تخليصها من غيابات الفقر والعوز. وصار البطل الرياضي القدوة والمثل لكل شاب وفتاة يحلم بالشهرة والثراء.
تشير الدراسات الأكاديمية في مجال علم الاجتماع إلى تغير النسق القيمي للأسرة المصرية، فلم يعد الاهتمام بالتعليم يحتل المرتبة الأولى كسابق عهده وتُرجع ذلك لعوامل عدة أبرزها: العولمة وشيوع النموذج الأمريكي للنجاح الرياضي فيما يعرف باستثمار الموهبة والتي تٌسوق للرياضة كمسار للثراء السريع والشهرة العالمية، والتأثير الإعلامى الذي يحول الرياضي لسلعة. وتداعيات ما بعد الحداثة من تفكيك للسرديات الكبرى فتراجعت السرديات الدينية والوطنية والعلمية التى كانت تقدم القدوة والمثل الأعلى فتحول البطل من رمز جماعي مثل بطل الحرب أو العالم إلى أداة للخلاص الفردي والأسري، وتراجع دور التعليم في الحصول على وظيفة تحقق عائد مادي مجزي فتآكلت قيمة المعرفة مما نتج عنه تراجع قيمة المعلم والعالم لصالح البطل الرياضي وغيره.
كل ما سبق محاولة لتفسير السر وراء هذا التكالب من قبل الأسر على اختلاف طبقات المجتمع لجعل أبنائهم أبطال رياضيين. ومما يدعو للأسف أنه في ظل هذا التكالب والتصارع من أجل ذلك لا يوجد ما يوازيه من اهتمام يتناسب مع هذا الجهد المبذول؛ فنسمع ما بين الحين والآخر عن حادث مؤسف لوفاة لاعب نتيجة التقصير في توفير التأمين اللازم والإجراءات الضرورية في المسابقات الرياضية؛ فتحترق قلوبنا حسرةً وحزنًا على تلك الزهرات التى تسقط منا.
والسؤال الملح الآن: هل من سبيل لعودة ترتيب النسق القيمي للمجتمع والعودة به إلى سابق عهده؟ هل يمكن أن يعود الاهتمام بالتعليم والتفوق الدراسي إلى صدارة الاهتمامات؟

الحقيقة أن ذلك يقف دونه عوائق عديدة ويحتاج الأمر إلى تضافر كل أطياف المجتمع ومؤسساته، وعلى رأسها المؤسسات التربوية والإعلامية. لا بد أن يتحول العلم إلى قيمة اجتماعية وذلك يبدأ بخطوات متوازية منها، أن يدخل تاريخ العلوم كمقرر أساسي ضمن المقررات والمناهج الدراسية ومن خلاله تُدرس سير العلماء والعوامل المجتمعية التي تشكلت في ظلها نظرياتهم العلمية وإبداعاتهم في كافة فروع المعرفة. ويقع على المؤسسات الإعلامية العبء الأهم فى المساهمة بدور فعال فى التركيز على البطل العالم وتغيير صورة العالم والمفكر غير الجذابة التي تظهرها الأعمال الدرامية. والاهتمام بإنتاج برامج لتبسيط العلوم تتناول سير العلماء بصورة جذابة للنشء والشباب. كما تنتج برامج لرعاية المواهب في مجالات العلوم. صحيح أن ذلك موجود لكن الأمر يحتاج تخصيص موارد مالية أكبر لتخرج البرامج بصورة مبهرة تجذب المشاهد ويعمل على إعدادها الاختصاصيون لتقدم المادة العلمية الرصينة والشيقة فى الوقت نفسه.
بجانب ذلك يأتي دور رجال الأعمال والمستثمرين الذين يقومون بدور فعال فى دعم الأبحاث العلمية والباحثين في كل المجالات، كما يحدث من رعاية المواهب الرياضية واللاعبين والمباريات.
والنقطة الفارقة في هذه القضية هى الجانب المادي فما يحدث في قضية دعم الباحثين وما يتقاضونه من أجور لا تكاد تكفي الاحتياجات الضرورية مما يدفعهم للبحث عن فرصة خارج حدود الأوطان وما يُتداول بين الشباب من أن العلم بابًا للفقر هو أكثر مشاهد الصورة قتامة. وقد يكون العامل الأكثر تأثيرًا في تغير النسق القيمي وهو لب القضية؛ عندما يكون أجر اللاعب فى ساعة قد يضاهي أجر الباحث أو العالم فى ألوف الساعات يجعل الشباب ينصرفون عن التعليم فى محاولة للإمساك بفرصة في مجال آخر يحقق لهم الثراء ويوفر عليهم سنوات من الكد للعيش على هامش الحياة.
صحيح أن العلم لا يقدر بمال وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض لكن فى النهاية العالم والباحث والمفكر إنسان يحتاج للعيش الكريم وسط هذا العالم الذي انقلبت موازينه.
لا بد من تدشين مشروع يرسخ فكرة أن العلم هو المشروع الأهم والأولى بالرعاية وأنه قضية أمن قومي تُعلن من أجله التعبئة العامة؛ فالكل مكلفٌ ومنوط بالمساهمة في هذا المشروع. ولن يتم ذلك إلا برعاية سياسية وهو ما يعلمنا إياه تاريخ العلوم.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى