
رسائل ” قصة قصيرة”
كتبت – مروة حمزة:
جلس يوسف، الشاب الذي لم يُكمل العشرين بعد، في المقهى المطلّ على النيل، يحدّق في مشروبه البارد الذي لم يمسه، بينما دخان السجائر يلتف حوله كسحابة خانقة. أصوات النرد والضحكات العالية من حوله بدت بعيدة، كأنه يعيش في عزلة وسط الزحام
في داخله عاصفة لا تهدأ من الغضب والانكسار
لم تكن مشكلته في عملٍ فقد فيه الأمل، ولا في أصدقاء غابوا ساعة الحاجة، بل في خيانةٍ لم يقدر أن يغفرها. تذكّرها جيدًا، حبيبته التي وعدته بالبقاء للأبد، ثم جلست أمامه ذات يومٍ في المقهى نفسه، بعينين مرتبكتين ويدٍ ترتجف على حقيبتها، لتقول الجملة التي حطّمت قلبه ،ثم تركته خلفها تمضي دون التفات:
انساني، حياتي بقت مع واحد تاني
ارتجفت يده وهو يستعيد المشهد، كأنها ما زالت جالسة مقابله. ضحكتها القديمة تتردّد وسط ضحكات الغرباء، لكنها تنغرس في قلبه كخنجر. شدّ نفسًا من سيجارته ونفث الدخان بعنف، محاولًا أن يطرد صورتها، لكن ملامحها التصقت بروحه كجرح لا يزول.
لم يحتمل أكثر، فأخرج ورقةً وقلمًا من جيبه، وبدأ يكتب رسالة انتحار قصيرة. كانت كلماته نزيفًا من داخله: يلوم فيها الدنيا، ويتحدّث عن الغدر والخيانة، عن الوحدة التي أكلت أيامه
طواها ووضعها على الطاولة بجواره، كمن يضع عبئًا أخيرًا على الأرض
إلى الحياة التي أرهقتني،
لم أطلب منكِ سوى بعض السلام والأمان، فوهبتِني الغدر والخيانة،
كل من وثقتُ بهم مضوا، ومن أحببتهم طعنوني وهم يبتسمون
تعبت من الركض وراء معنى للحب لا يريد أن يُوجَد،
حتى أظلمت كلُّ الأشياء من حولي، وانطفأ كلُّ ما كان يومًا يضيء في داخلي
سأتركك دون وداع، فقد ضاق القلب بما لا يُحتمل
ترك مقعده وجلس على مقربةٍ من النيل، حيث ينساب الماء ببطء. ألقى بنظره إلى الأفق البعيد، يبحث بعينيه عن نقطةٍ يختفي عندها كل شيء في لحظة
ثم تسلل إلى ذهنه خاطر غامض أن رسالته لم تكتمل بعد وأن الموت مهما كان قريبًا يستحق كلمةً أخيرة
عاد إلى الطاولة بخطواتٍ مثقلة، كأن شيئًا خفيًا جذبه ليكتب ما تبقّى منه على الورق
وحين التقط الرسالة من فوق الطاولة، وجد شيئًا غريبًا، الخط لم يعد خطَّه وحده
فتحها بارتباك، فوجد تحت كلماته المنهكة سطرًا جديدًا:
أنا الحياة
قالت كأنها تهمس في أذنه من بين ضجيج المقهى وصوت الموج المتكسر عند ضفة النيل
“أعلم أني قاسية، لكني لا أُطفئ النور تمامًا. ما زلت أمنحك الفرص، وأهديك الخبرات التي تقوّيك
لا تستسلم لي بهذه السهولة، فأنا لم أنتهِ منك بعد… ما زال أمامك الكثير لتتعلمه، والكثير لتعيشه”
تجمّد يوسف للحظة، كأن الورقة تحوّلت إلى كائنٍ حيّ يخاطبه. قرأها مرة واثنتين وثلاثًا، حتى شعر أن الصوت يخرج من داخله لا من الحبر
ارتجف قلبه، ودمعة حارة انزلقت على الورقة. ظلّ يتلفت حوله، يبحث في الوجوه، يحدّق في الزوايا علّه يلمح من كتبها، لكن لا أحد كان يشي بشيء. عندها أدرك أن صاحب الكلمات لم يرد أن يُعرَف، بل أراد فقط أن يمدّ له يدًا من النور ثم يتوارى. وهذا وحده كان كافيًا
عاد إلى مقعده، جلس طويلاً، ثم أخرج ورقة أخرى وكتب بخطٍّ أهدأ هذه المرة:
إلى من كتب
وصلتني يدك في محنتي. أشكرك لأنك منحتني نفسًا جديدًا
لا تقلق، أنا مطمئن الآن، ولن أترك الحياة تغلبني
أما أنتِ أيتها الحياة،
ظننتكِ عدوًّا لا يُهزم، لكني أدركت أنكِ لستِ شريرة، بل صادقة في قسوتك
علّمتِني أن الحب لا يدوم، وأن الخيبة تأتي من أقرب الناس
كنت أكتب لأرحل، لكن رسالة الغريب أعادت لي النفس
لن أهرب منك بعد الآن، سأمضي معكِ،
وإن سقطت، فسأكتب من جديد… رسالة حياة لا وداع
طوى الرسالة ووضعها في المكان نفسه على الطاولة، ثم خرج بخطواتٍ أقل ثِقلاً مما دخل بها
في الطرف الآخر من المقهى، كان النادل يراقب بصمت. وحين مرّ بجانب الطاولة بعد خروج يوسف، لمح الورقة الجديدة، قرأها بسرعة، ثم ابتسم ابتسامةً صافية… كأنه يشارك يوسف سرًّا لم يعرفه أحد سواهم…





