
بقلم: حسن غريب أحمد
ناقد وروائي شاعر
في زمنٍ تتكاثر فيه الأقلام وتقلّ فيه الأصالة، بات النقد الأدبي مرآةً تكشف المعادن الحقيقية للمواهب.
غير أن بعض من يظنون أنفسهم مبدعين يصابون بالذعر حين تقترب القراءة من نصوصهم، كأن النقد ضوءٌ يفضح لا ضوءٌ يُضيء.
من هنا تأتي هذه المقالة لتضع الأصبع على جرحٍ خفيٍّ في جسد المشهد الأدبي العربي: جرح الغرور المرضي الذي يجعل بعض المواهب ترفض الامتنان، وتستنكر حتى المديح.
في عالم الأدب، حيث تتوهج الكلمة وتزهر الفكرة وتولد القصيدة من رحم الإلهام، تتجلّى الموهبة كأسمى هبة يمنحها الله للإنسان. فكاتب القصة، أو الشاعر، أو المسرحي الحقيقي، هو من يصنع من اللغة وطناً، ومن الخيال حياةً موازية تضيف إلى الوجود نكهة الفنّ وسحر الإبداع.
غير أن هذه الموهبة — بكل بريقها — قد تتحوّل عند بعض أصحابها إلى لعنةٍ نفسيةٍ إن لم تُهذَّب بالوعي والتواضع، فيغدو المبدعُ أسيرَ ذاته، ضحيةَ غرورٍ مَرَضيٍّ يطمس إنسانيته قبل أن يطمس جمال موهبته.
من المؤسف أن يكتب ناقدٌ مقالةً ناصعةَ النية، متذوقاً للنص، مشيداً بجمالياته وبنائه الفني، مُبرزاً ما فيه من صورٍ ودهشةٍ ورهافةٍ حسٍّ، ثم يُفاجأ بأن صاحبة النص أو صاحبه يرد عليه باستنكارٍ وجفاءٍ واتهام، كأنما ارتكب الناقد جريمةَ اقتحامٍ أدبيٍّ حين تناول نصاً منشوراً ومتاحاً للجميع.
أليس من الطبيعي أن يُقرأ النص ويُحلَّل ويُناقش ما دام خرج إلى فضاء النشر العام؟
أليس الأدب حواراً مفتوحاً بين الكاتب والقارئ، بين النصّ والمتلقي، بين الجمال والذائقة؟
إن من يظنّ أن نصَّه “ملكه الخاص” بعد نشره يعيش وهماً مرضياً يُسمّى في علم النفس النرجسية السيكوباتية، حيث يرى المبدع نفسه محور الكون، ويرفض أي تفاعل مع عمله إلا من زاوية التصفيق الأعمى.
هذا النوع من المبدعين لا يدرك أن النص، حين يُنشر، يُصبح كائناً حُرّاً له حياةٌ خارج صاحبه، يتنفّس في عقول القراء وقلوبهم، ويتجدّد في كل قراءة وتأويل.
إن النصّ الجميل لا يملك صاحبه وحده، بل يمتدّ ملكيته إلى كل من قرأه وتأثر به واحتفى بجماله.
غير أن الأمر لا يتوقف عند حدود الغرور فحسب، فالموهبة التي ترفض أن يُكتب عنها أو تستنكر أن تُقرأ، هي في حقيقتها إحدى حالتين لا ثالث لهما:
إما شخصية متكبرة تظن أنها فوق النقد وفوق القارئ، أو أنها كاتبةٌ أو شاعرةٌ تسطو على نصوص غيرها وتخشى أن يُفتضح أمرها إذا وُضعت تحت ضوء القراءة النقدية.
فهناك من يعيشون على صدى ما يكتب غيرهم، ويحسبون أن الحروف تقيهم الفضيحة، فإذا اقترب النقد منهم ارتعبوا كما يرتعب اللص من وهج المصباح.
وهناك من يدّعون العبقرية حتى لتخالهم كتبوا “الإلياذة”، بينما هم لم يكتبوا بعدُ سطرًا صادقًا من ذواتهم.
وهؤلاء لا يكرهون النقد لأنه قاسٍ، بل لأنهم يعرفون في أعماقهم أنه المرآة التي ستكشف زيفهم.
ومن المؤسف أيضًا أن بعض هذه النماذج تظهر بوضوح في الساحة الثقافية العربية اليوم، ومن بينها شاعرة سورية تقيم في سويسرا، تمتلك أدواتٍ لغويةً لا بأس بها، لكنها تسقط في فخّ الاستعلاء النرجسي، فترى نفسها فوق النقد والمتابعين، وتتعالى على من يكتب عنها، وكأنها تملك الحقيقة المطلقة وحدها.
إن مثل هذه الحالة لا تُسيء إلى صاحبها فحسب، بل تُسيء إلى مفهوم الموهبة نفسه، لأن الموهبة التي تنغلق على ذاتها تموت اختناقًا، مهما أُغرقت بالمديح.
فالفنّ الحقيقي لا يتغذى على الغرور، بل على الحوار والتفاعل، أما من يضع نفسه في برجٍ عاجيٍّ، فلن يرى سوى انعكاس صورته على جدران الصمت.
ثمّة مفارقة مؤلمة: الموهوب الحقيقي يفرح بالنقد — حتى وإن كان قاسياً — لأنه يرى فيه مرآةً تساعده على التطور، أما الموهوب المريض بالأنانية، فيرى النقد — ولو كان مديحاً — تعدّياً على سلطته الوهمية، فيثور ويُهاجم ويكفر بالذوق.
وهنا يتحوّل الفنّ من جسرٍ للإنسانية إلى جدارٍ من الغرور يعزل صاحبه عن العالم.
إننا نحتاج إلى تربية نقدية في بيئتنا الأدبية، تُعلّم المبدعَ كيف يتقبّل الرأي، وتعلّم الناقدَ كيف يقدّم رأيه بلغةٍ راقيةٍ منصفة.
فالنقد ليس تهديداً للكاتب، بل هو شكلٌ من أشكال المحبة الرفيعة، لأن الناقد حين يقرأ نصاً ويكتب عنه، يمنحه حياةً ثانية على الورق.
ومن لا يفهم هذا، فقد فقدَ صلته الأولى بالكتابة، وبقي أسيرَ عقده النفسية، لا مبدعاً ولا قارئاً.
الموهبة مسؤولية قبل أن تكون مجداً، ومن لا يحترم قراءه ولا نقّاده لا يستحق أن يُحترم نصّه، لأن الفنّ الحقيقي لا يقوم على التسلّط، بل على التفاعل، ولا يعيش في الظلال المغلقة، بل تحت شمس المشاركة الإنسانية الحرة.
(من يشعل القنديل لا يلعن الضوء)
إن من يكتب نصًا أدبيًا ثم يغضب لأن الآخرين قرأوه أو كتبوا عنه، يشبه من يُشعل قنديلاً ثم يلعن الضوء!
فالفن لا يعيش في العزلة، ولا يكتمل إلا حين يلامس القلوب والعقول.
الناقد الحقيقي لا يسرق الضوء من المبدع، بل يضاعفه؛ والكتابة التي ترتعد من النقد هي كتابة هشّة لم تنضج بعد.
فلنُعِد للأدب كرامته، وللحوار جماله، وللنقد مكانته التي يستحقها، لأن الأمم لا تنهض بالشعراء المتعالين، بل بالمبدعين المتواضعين الذين يدركون أن الكلمة حين تُنشر تُصبح ملكًا للحياة لا لصاحبها.
فليت من يكتب أن يدرك: أن الامتنان للقراءة والنقد، لا العداء لهما، هو أول درجات النضج الفني والإنساني.





