الأسبوع العربي

المنبر الفيلم الفائز بجائزة أفضل فيلم بمهرجان الإسكندرية السينمائي

 

كتب سيد حفني

مقالات ذات صلة

جاء فيلم «المنبر» ليعيد إلى الشاشة رسالة الفن الهادف، لحصد جائزة أفضل فيلم فى مهرجان الإسكندرية السينمائى لدول البحر المتوسط 2025، كونه ليس مجرد عمل فنى جميل الصنعة، بل شهادة على أن التاريخ يمكن أن يُروى بلغة الصورة دون أن يفقد وقاره أو جوهره القيمى.
الفيلم من إخراج أحمد عبدالعال وتأليف فداء الشندويلى وبطولة أحمد حاتم، وآيتن عامر، وعمر السعيد، وميدو عادل، وأحمد فهيم، وهو يعيد بناء الذاكرة الوطنية من داخل الأزهر الشريف، ويقدم المنبر – الذى طالما كان أداة للوعظ والدعوة – باعتباره سلاحاً فكرياً وروحياً فى وجه الاستعمار والتغريب والانقسام.
يستحضر «المنبر» لحظة فاصلة فى التاريخ المصرى حين كان الأزهر الشريف قلب الأمة النابض، ومركز إشعاعها الفكرى والروحى، وضميرها الذى لا يساوم.
فى سياق الاحتلال البريطانى، يرصد الفيلم كيف تحولت منابر الأزهر إلى منابر للوطن، وكيف كان علماء الأزهر يخاطبون الجماهير بجرأة ووعى، حاملين فى خطبهم صوت الأمة وأملها، ومؤمنين بأن مقاومة الاستعمار تبدأ من مقاومة الجهل والخذلان الداخلى.
تدور القصة فى قالب درامى يوازن بين الخط العام للأحداث التاريخية وبين التحولات الإنسانية فى شخصيات العلماء والدعاة، الذين واجهوا محاولات الاستعمار لاختراق المنابر وتوظيف الخطاب الدينى لخدمة مصالحه. ويُظهر الفيلم – عبر شخصية البطل التى يجسدها أحمد حاتم – كيف يمكن للعالم الأزهرى أن يجمع بين الزهد والوعى، وبين الإيمان بالرسالة وضرورة الفعل فى الواقع.
سينما الوعى لا سينما الوعظ
أبرز ما يُحسب للفيلم أنه لا يقدم الوعظ التقليدى، بل ينتمى إلى ما يمكن تسميته بـ«سينما الوعى». فهو لا يكتفى بسرد وقائع أو تمجيد الماضى، بل يفتح أمام المشاهد أسئلة فكرية حقيقية: كيف يتحول المنبر إلى سلاح؟ ومتى يصبح الصمت خيانة؟ وما مسئولية الكلمة حين تخرج من فم عالمٍ يثق فيه الناس بوصفه صوت الدين والضمير؟
السيناريو الذكى لفداء الشندويلى يتجنب المباشرة، ويقدّم شخصيات من لحم ودم، تخطئ وتصيب، لكنها تظل مخلصة لفكرة أن الدين لا ينفصل عن الوطن، وأن حماية العقيدة تمر عبر حماية الكرامة والحرية.
أجاد المخرج أحمد عبدالعال فى استخدام الصورة لتوليد الإحساس بالزمن التاريخى دون الوقوع فى فخ التقليد الجامد.
المشاهد المصوّرة داخل مواقع تراثية مثل قلعة صلاح الدين والأزهر القديم منحت الفيلم صدقية بصرية عالية.
الإضاءة جاءت حافلة بالتضاد بين النور والعتمة، فى إحالة رمزية إلى صراع التنوير والجهل، بينما جاءت الموسيقى التصويرية للموسيقار عادل حقى حاملة مزيجاً من الرهبة والسكينة، تؤكد البعد الروحى للعمل.
كما اهتم الفيلم بتجسيد تفاصيل البيئة الأزهرية فى ملابس العلماء، وأثاث المدارس، وطبيعة الخطابة، بما يعكس دقة بحث تاريخى أسهم فى بناء مناخ بصرى متكامل.
ويقدّم أحمد حاتم أحد أفضل أدواره على الإطلاق، إذ ينجح فى أداء دور العالم الشاب الذى يتأرجح بين خوفه من بطش السلطة وإيمانه العميق بضرورة قول الحق.
كما يقدّم عمر السعيد شخصية متوازنة تُظهر تنوع الرؤى داخل الصف الأزهرى، وتمنح العمل عمقاً إنسانياً يتجاوز فكرة البطل الفرد إلى البطولة الجماعية للمؤسسة ورجالها.
أما آيتن عامر فتجسد ببراعة دور الزوجة التى تمثل البعد الإنسانى فى حياة العالم، حيث تمتزج العاطفة بالرسالة والمسئولية.
الأزهر فى السينما
يمثل «المنبر» خطوة مهمة فى استعادة الأزهر الشريف إلى شاشة السينما بعد غياب طويل. فالأزهر كان حاضراً دائماً فى الوجدان المصرى لكنه نادر الحضور فى الإنتاج السينمائى الحديث، لأسباب فكرية أو إنتاجية أو رقابية.
الفيلم بهذا المعنى ليس فقط عملاً فنياً، بل هو بيان ثقافى يعيد تقديم الأزهر باعتباره منبراً للوسطية والعقلانية والتنوير، ومؤسسة وطنية حمت هوية الأمة عبر قرون من الاضطراب السياسى والفكرى.
إنه يقدّم نموذجاً مغايراً لصورة رجل الدين فى الدراما المصرية، بعيداً عن النمط الساخر أو المتشدد، ويعيد الاعتبار للعلماء بوصفهم مثقفين منخرطين فى قضايا مجتمعهم، لا مجرد خطباء تقليديين.
ورغم أن الفيلم يدور فى إطار تاريخى، فإن رسالته موجهة إلى الحاضر بوضوح: أن الخطاب الدينى مسئولية ثقيلة، وأن المنبر ليس موقعاً للسطوة أو النجومية، بل هو عهد أمام الله والناس.
ويذكّر الفيلم بأن الأزهر – فى كل محنة مرّت على مصر – كان الحارس الأمين على الهوية، والمثقف المقاوم الذى رفض أن يتحول الدين إلى أداة تبرير للاستبداد أو الاحتلال.
من هنا، يأتى «المنبر» كدعوة فنية لتجديد الخطاب الدينى بالعودة إلى جوهره الأخلاقى والإنسانى، وإلى دور الكلمة فى بناء الوعى لا هدمه.

استقبال نقدى وجماهيرى مشرف
نال الفيلم إشادة واسعة فى مهرجان الإسكندرية من لجان التحكيم والنقاد والجمهور، باعتباره عملاً فنياً متماسكاً يجمع بين القيمة الجمالية والرسالة الفكرية.
وأشاد الناقد الأمير أباظة، رئيس المهرجان، بالفيلم واعتبره «نموذجاً للسينما الوطنية التى تستلهم روح المؤسسات المصرية العريقة».
كما أكد المخرج أحمد عبدالعال فى كلمته عقب تسلّم الجائزة أن الفوز هو «تكريم لرسالة الأزهر أكثر مما هو تكريم لفريق العمل»، مشيراً إلى أن «المنبر» يهدف إلى استعادة قدسية الكلمة وهيبتها فى زمن الضجيج.
يقدّم «المنبر» نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه السينما المصرية حين تلتقى بالفكر الأزهرى والرسالة الأخلاقية، وحين يصبح الفن شريكاً فى الوعى لا تابعاً للسطحيات.
هو فيلم يعيد إلى الذاكرة كيف كانت المنابر يوماً مدارس للمقاومة والتنوير، ويذكّرنا بأن الأزهر لم يكن يوماً شاهداً على الأحداث، بل كان صانعاً لها وموجّهاً لضمير الأمة.
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى «المنبر» إلا بوصفه فعلاً ثقافياً ووطنياً بامتياز، يكتب على الشاشة فصلاً جديداً من فصول العلاقة بين الفن والدين والوطن، ويؤكد أن الكلمة، متى خرجت من قلبٍ صادق وعقلٍ مستنير، تظل أقوى من المدافع وأبقى من العروش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى