
كتب / حسن عبد السلام
منذ سنوات مضت، اختارت إثيوبيا أن تسلك طريق الانفراد ببناء سد النهضة، الذي أطلقت عليه في بدايته اسم “سد الألفية”، متجاهلة تمامًا الحقوق التاريخية لمصر والسودان في مياه النيل، وضاربة عرض الحائط بكل الاتفاقيات والقوانين الدولية المنظمة للأنهار المشتركة. اعتقدت أديس أبابا أن تشييد هذا السد الضخم سيمنحها ورقة ضغط وسلاحًا استراتيجيًا، إما لحرمان مصر من حصتها المائية، أو لمساومتها عليها سياسيًا واقتصاديًا. غير أن الواقع جاء مغايرًا لكل هذه الحسابات.
مصر، من جانبها، تمسكت بموقف واضح وثابت منذ اللحظة الأولى، مؤكدة أن أي مشروع بهذا الحجم لا يمكن أن يتم إلا عبر التنسيق المشترك والتعاون الثلاثي بين مصر والسودان وإثيوبيا، بما يضمن مصالح الجميع ويجنب المنطقة مخاطر جسيمة. لكن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تجاهل هذه الدعوات، ماضياً في مشروعه مدفوعًا برغبة شخصية في صناعة “مجد زائف” يظن أنه سيؤهله لقيادة القارة الإفريقية.
غير أن الطبيعة كان لها كلمتها. فقد تعرضت الأراضي الإثيوبية مؤخرًا لموجات فيضانية غير مسبوقة، أجبرت السلطات على فتح بوابات سد النهضة ومفيضاته بشكل كامل. هذا التدفق الكاسح من المياه لم تستطع السودان تحمله، ما اضطرها بدورها إلى فتح بوابات سد الروصيرص لتجنب كارثة قد تؤدي إلى انهياره، وهو ما كان سيغرق مساحات واسعة من البلاد. ومع ذلك، غمرت المياه عدة مدن سودانية، لتدفع الشعب ثمن تهور القيادة الإثيوبية.
أما في مصر، فقد وصلت كميات ضخمة من المياه إلى بحيرة ناصر خلال ساعات قليلة، ما استدعى فتح بوابات السد العالي وكذلك مفيض توشكى المؤدي إلى واحة باريس بالصحراء الغربية. وهنا تحولت الأزمة إلى فرصة تاريخية، حيث بات بالإمكان الاستفادة من هذه الكميات الهائلة من المياه في استصلاح وزراعة ما يقارب ثلاثة ملايين فدان بالصحراء، لتتحول “المكيدة” إلى منحة ربانية، تعزز الأمن الغذائي وتفتح آفاقًا جديدة للتنمية الزراعية.
هكذا، وكما يقول التاريخ دائمًا، قد يظن البشر أنهم قادرون على التحكم في مجرى الأحداث، لكن الطبيعة وحدها تملك القول الفصل. لقد حاولت إثيوبيا أن تضغط على مصر بنهر النيل، فإذا بالمياه نفسها تمنح المصريين حياة جديدة وأملًا في مستقبل أفضل





