
أبطال صنعوا نصر أكتوبر
بقلم / أحمد درويش العربى
سلسة من المقالات كل مقالة منها تحكي قصة بطل حقيقي تحكى موقف بطولي مؤثر تحكى كيف ساهم في تحقيق النصر.
العقيد/ إبراهيم عبد التواب
أسد كبريت» الذي قاتل حتى النفس الأخير
في قلب الصعيد، حيث النيل يهمس للنخيل، وعبق الأرض يروي حكايات الشرف والبطولة، وُلد إبراهيم عبد التواب فى قرية بني برزة بمحافظة أسيوط عام1937
نشأ بين الحقول والسواقي، يحمل على كتفيه مبكرًا مسؤولية الفقر والكرامة معًا.
لم تكن طفولته مترفة، لكنها كانت غنية بالقيم.
هناك، على ضفاف الحلم، تشكّلت أولى ملامح الفارس القادم.
كان يؤمن بأن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يمنح.
وهكذا، حين شبّ عن الطوق، اختار طريقًا لا يسلكه إلا الشجعان:
التحق بالكلية الحربية، وأقسم على حماية الوطن، حتى آخر رمق.
طريق النار
تدرّب إبراهيم في سلاح المشاة، وراح يشقّ طريقه وسط رفاق السلاح، لا كضابط فقط، بل كـقائد بالفطرة.
شهد نكسة يونيو 1967، ورأى بعينيه كيف يُسلب الوطن حين يضعف الإيمان، فتعهّد في سرّه ألّا تكتمل قصته إلا بنصر.
وفي سنوات الاستنزاف، لم يكن يهدأ.
كان يؤمن أن المعركة لا تبدأ بالبندقية، بل بالإعداد.
ربى رجاله على الانضباط، على أن يكونوا أسودًا لا تُروّضها العواصف. وكان يقول دومًا:
“إذا سقطت الراية من يدي، فليلتقطها من بعدي قلب لا يخاف الموت.”
معركة كبريت: الأسطورة تُكتب بالدم
كان موقع كبريت على الضفة الشرقية لقناة السويس، نقطة استراتيجية بالغة الأهمية،وفى الرابع عشر من اكتوبر دق ناقوس الهجوم على طرق امداد العدو .
قاد إبراهيم عبد التواب الكتيبة 603 مشاة ميكانيكي، واقتحم بها النقطة الحصينة الإسرائيلية في كبريت.
لم يكن الطريق مفروشًا بالنصر، بل بالدم والنار والحديد.
واجه رجاله نيرانًا جهنمية، لكنهم عبروا، وتسلقوا الساتر الترابي، واقتحموا الحصون المحصّنة، حتى رُفع العلم المصري فوق كبريت، رغم أنف من ظنوا أن الأرض لن تعود.
لكن النصر لم يكن سوى بداية لملحمة أطول.
134يوم من الصمود
لم تقبل إسرائيل أن تُسلب منها كبريت، ففرضت حصارًا خانقًا على الموقع، دام 134 يوم.
انقطعت الإمدادات، شحّ الماء، نفدت الذخائر، لكن لم تهن العزائم.
في قلب النار، كان إبراهيم عبد التواب يتنقّل بين جنوده، يربّت على أكتافهم، يتقاسم معهم آخر قطرة ماء، وآخر كسرة خبز، وآخر زفرة أمل.
لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان روح الموقع، ضوءه، نبضه، وسنده.
حين سقط أحدهم شهيدًا، كان هو من يدفنه، ويصلي عليه، ويقسم أمام قبره أن الثأر قادم.
لحظة الخلود
وبينما يتفقّد خطوط الدفاع، سقط البطل فى الرابع عشر من يناير 73
قذيفة مدفعية إسرائيلية غادرة باغتته، فهوت شظاياها إلى جسده، لكنه لم يسقط فورًا
تمالك جراحه، نظر في عيون رجاله، وقال كلماته الأخيرة:
“اثبتوا… كبريت لن تسقط.”
ثم سلّم الروح، وارتقى، ليكتب في السماء سطرًا جديدًا من المجد.
بعد الرحيل: بطل لا يموت
لم يمت إبراهيم عبد التواب.
فمن يموت وقد عاش بطلًا، ومات على أرض قاتل من أجلها؟
منحته الدولة وسام نجمة الشرف العسكرية، تخليدًا لبطولته النادرة.
وسمّيت شوارع ومدارس باسمه، ليظل حيًّا في ذاكرة الوطن.
ما الذي تركه لنا هذا الرجل؟
ترك درسًا:
أن القادة الحقيقيين لا يختبئون في الخلف، بل يصنعون المجد في المقدمة.
ترك يقينًا:
أن الوطن لا يُحمى بالكلام، بل بالمواقف.
وترك وصيةً لنا جميعًا:
أن نُحب تراب مصر كما أحبّه، أن نثبت كما ثبت، أن نُقاتل من أجل ما نؤمن به، حتى آخر نفس.
خاتمة
لم يكن إبراهيم عبد التواب مجرد جندي في جيش مصر، بل كان رمزًا.
رمزًا لرجال لا يصنعهم الإعلام، بل تصنعهم المواقف.
رجل آمن بأن الأرض التي تُروى بالدم لا تُسلب أبدًا.
وفي كبريت، حيث الصمت الآن، ما زالت الرمال تحفظ خطاه، وما زال التاريخ يُنصت لرجلٍ قال كلمته… ثم مضى.
المصادر: موقع وزارة الدفاع / إدارة الشئون المعنوية
تقرير مصوَّر بعنوان ملحمة كبريت … الشهيد المقدم إبراهيم عبد التواب على قناة وزارة الدفاع على يوتيوب





