أخبار الأسبوعأدب

مقام الدهشة الأولى

مقام الدهشة الأولى

✍️ بقلم: علي جمال عيسى

 

هناك لحظة سرّية يعيشها الإنسان، لحظة لم يدوّنها المؤرخون، ولم يرصدها الفلاسفة، لكنها أعمق من كل المعارف، وأوسع من كل خرائط الأرض. لحظة يشعر فيها المرء أنّ العالم يُولد من جديد أمام عينيه، وأنّ الأشياء التي اعتادها صارت فجأة كائنات مدهشة تُطلّ عليه كما لو أنها ظهرت للتوّ من رحم الغيب.

 

تأمّل قطرة المطر حين تسقط على صفحة نافذة، كيف تنحدر ببطء، وكأنها تسرد سيرة حياة كاملة في مسافة قصيرة. أو تفحّص وجه طفلٍ يضحك للمرة الأولى، سترى فيه مرآة الكون وهو يتفتّح على غير علمٍ منه بوزن الضحكة وقيمة الضوء.

 

في مقام الدهشة الأولى لا تعود الشجرة مجرّد خشب وأوراق، بل ذاكرة سماوية مُعلّقة بين الأرض والسماء. ولا يعود البحر ماءً مالحًا يبتلع السفن، بل كتابًا أزرق تُكتب على صفحاته حكايات لا يقرأها إلا من غاص في أعماقه.

 

إنّ أجمل ما في الدهشة أنّها لا تُشترى ولا تُباع، بل تهب نفسها فجأةً لمن يملك قلبًا يقظًا لم تقتله العادة. فما العادة إلّا صدأ يكسو نوافذ الروح، وما الدهشة إلا مطر نقيّ يزيل غبار الأيام، ليُعيد للإنسان عينيه البريئتين اللتين وُلد بهما.

 

أيها القارئ، لو أنك قرأت هذه الكلمات بعين العادة، فلن ترى شيئًا سوى جُمل منسوجة. أما لو قرأتها بعين الدهشة، فإنك ستشعر أنّ الكلمات ليست حروفًا، بل مفاتيح صغيرة تُفتح بها أبوابٌ إلى عوالم لم تزرها من قبل.

 

فالدهشة هي البداية الحقيقية لكل معرفة، وهي أول الخيط الذي يقودنا إلى المعنى، وهي الجسر الذي نعبر به من صحراء التكرار إلى جنّة الاكتشاف.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى