
فخ الكمالية القاتل
بقلم: د/ محمود حمعه الصاوي
الكمالية أو المثالية – كما يروق للبعض أن يسميها – ليست، كما يظن البعض، مجرد تحقيق النجاح أو الالتزام بالمثل العليا أو القواعد الأخلاقية، إنما هي سعيٌ مُضنٍ نحو معايير صارمة، وجلْدٌ للذات بقسوة عند أدنى تقصير، ومحاولة دؤوبة للوصول إلى أداء كامل خالٍ من العيوب.
وقد يتساءل سائل: وما المشكلة في ذلك؟! أليس السعي نحو الأفضل وتحقيق أعلى درجات النجاح أمراً محموداً؟ بل بالعكس، قد يبدو هذا في ظاهره دليلاً على الإتقان. غير أنّ الأمر، عزيزي القارئ، أعقد من ذلك؛ فقد يكون من السهل لطالبٍ أن يصرّ على نيل الدرجات النهائية في دراسته ويصل إلى الأداء الكامل في الامتحان، لكنّ معترك الحياة – بما يحمله من تشابكات وعلاقات وضغوط متزايدة – لا يسير على هذا النحو.
إنّ الكمالية ليست دوماً هدفاً نبيلاً، بل قد تكون نقطة ضعف وعيباً في الشخصية. وقد عبّر الفيلسوف فولتير عن ذلك بقوله: “الكمال عدوّ الخير”، فيما وصفتها آن لاموت بقولها: “الكمال هو صوت الظالم”.
فالشخص الكمالي يضع لنفسه معايير عالية للغاية، قد يستحيل الوصول إليها، ثم لا يرضى بما هو أقل، فيعيش في دوامة من عدم الرضا، والشك الدائم في أدائه. وتكون النتيجة سلسلة من المشكلات الصحية والنفسية مثل: متلازمة القولون العصبي، أو فقدان الشهية العصبي، أو آلام البطن، والتهاب القولون التقرحي.
وقد أثبتت أبحاث علم النفس أنّ الكمالية ترتبط بقوة باضطرابات القلق، كالقلق العام، ونوبات الهلع، والرهاب الاجتماعي. بل إنّها تُعد عاملاً محورياً في ظهور اضطراب الوسواس القهري والاكتئاب، كما ترتبط بمستويات مرتفعة من اليأس وحتى الأفكار الانتحارية. لذلك يمكن القول، بلا مبالغة، إنّ الكمالية مفتاحٌ للاضطرابات النفسية.
تأمّل مثلاً ذلك الشخص الذي يُطلب منه الحديث أمام جمهور صغير – لا يتجاوز خمسة أو ستة أشخاص – فإذا به يرتجف، يجف حلقه، يضيق صدره، وتتسارع ضربات قلبه، فيعجز عن الكلام، ويهرب من الموقف كلّه. إنّ خوفه من فقدان صورته الكاملة يجعله أسير الرهبة والتجنّب.
أيها القارئ العزيز، ابحث عن الكمالية في نفسك، وستجد – ولو في صورة خفية – خوفاً من الانتقاد أو من أن يُقال عنك ما ينقص من صورتك المثالية.
ولذلك، فإنّ الكمالية قد تتحول إلى عائق يحول دون التقدّم وإبراز المواهب والقدرات، بدلاً من أن تكون دافعاً للإنجاز كما يظن البعض.
ومع ذلك، فإنّ الكمالية ليست كلها شراً، إذ يرى بعض الباحثين أنّ لها وجهين:
الكمالية العصابية: وهي ما أشرت إليه آنفاً، حيث تتحول الرغبة في الكمال إلى معاناة وضغط نفسي مستمر.
والكمالية السوية: وهي حينما تكون الأهداف واقعية وممكنة التحقيق، فتصبح دافعاً للطموح والإنجاز، لا عبئاً على النفس.
وخلاصة القول: إنّ الكمالية قد تكون معوقاً للنجاح حينما يرفع الفرد سقف توقعاته إلى مستويات يستحيل بلوغها، لكنها في الوقت ذاته قد تصبح دافعاً للإنجاز حين تكون الرغبة في الكمال واقعية، ممكنة التحقيق، ومتناغمة مع حدود الطبيعة البشرية.





