خِآطِرةّ آلَيَوٌمً……..
★كتبت د.حنان حسن مصطفى
العلاقات الآمنة في مواجهة الألاعيب النفسية: كيف تحمي نفسك من المتلاعبين؟
الحب الحقيقي هو أساس العلاقات الصحية والآمنة، تلك التي تزدهر بالثقة والاحترام المتبادل والوضوح. ولكن، في خضم سعينا للارتباط والتقارب، قد نجد أنفسنا عالقين في شبكة من “الألعاب النفسية” التي تسمم العلاقات وتزعزع استقرارها. فالعلاقات الآمنة، كما يُعرف عنها، هي تلك الخالية تمامًا من هذه الألاعيب المدمرة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: ما هي بالضبط هذه الألعاب النفسية التي تهدد سلامة علاقاتنا؟ وكيف يمكننا التعرف عليها وحماية أنفسنا من الوقوع في براثنها؟
لعبة الاختفاء والظهور: استراتيجية التعلق ثم الإهمال
من بين أكثر الألعاب النفسية شيوعًا وإيلامًا هي “لعبة الظهور والاختفاء”. يبدأ الشخص في هذه اللعبة بمنح الطرف الآخر اهتمامًا مكثفًا وحضورًا دائمًا في حياته، مما يخلق شعورًا بالتعود والارتباط العميق. وبمجرد أن يطمئن هذا الشخص إلى تعلق الطرف الآخر به، يبدأ فجأة في التلاشي تدريجيًا من حياته، سواء بتقليل التواصل أو بإظهار فتور في الاهتمام. هذا التذبذب يخلق حالة من القلق وعدم الأمان لدى الطرف المتلقي، الذي يصبح في حيرة من أمره ويتساءل عن سبب هذا التغير المفاجئ، ويزداد تمسكه بالشخص المتلاعب خوفًا من فقدانه.
لعبة الثقل والتأخر في الرد: إشعار الآخر بأنه ثانوي
لعبة أخرى خبيثة هي “لعبة الثقل والتأخر في الرد”. يلجأ فيها الشخص إلى التظاهر بأنه ذو مكانة وهيبة عالية، وأنه مشغول دائمًا ولا يملك الوقت الكافي للطرف الآخر. يتعمد التأخر في الرد على الرسائل والمكالمات، ويجعل الطرف الآخر يشعر بأنه شيء ثانوي في حياته وأنه ليس أولوية. الهدف من هذه اللعبة هو زيادة اهتمام الطرف الآخر بالشخص المتلاعب، حيث يدفعه هذا التجاهل إلى محاولة التقرب أكثر وكسب اهتمامه الثمين.
لعبة المبالغة في ردود الأفعال: تضخيم أخطاء الآخر وتصغير أخطائه
تتجلى “لعبة المبالغة في ردود الأفعال” في التناقض الصارخ في طريقة تعامل الشخص مع الأخطاء. فعندما يرتكب هو خطأ في حق الطرف الآخر، يحاول التقليل من شأن المشكلة أو حتى إلقاء اللوم على الطرف الآخر نفسه. أما إذا ارتكب الطرف الآخر خطأ بسيطًا في حقه، فإنه يبالغ بشكل كبير في ردة فعله، ويجعله يشعر بتأنيب الضمير الشديد والمسؤولية الكاملة عن المشكلة. هذه اللعبة تخلق خللًا في ميزان العلاقة وتجعل الطرف الآخر دائمًا في موقف الدفاع والشعور بالذنب.
لعبة التقليل: تحطيم الثقة بالنفس لضمان البقاء
“لعبة التقليل” هي أسلوب تلاعب مؤذٍ يهدف إلى تقويض ثقة الطرف الآخر بنفسه. يقوم الشخص المتلاعب بانتقاد الطرف الآخر باستمرار على جوانب مختلفة في شخصيته وقدراته، محاولًا الانتقاص من قيمته الذاتية. الهدف من وراء هذه اللعبة هو جعل الطرف الآخر يشعر دائمًا بأنه غير كافٍ وأن وجود الشخص المتلاعب في حياته يعتبر مكسبًا كبيرًا يجب التمسك به بأي ثمن، خوفًا من عدم العثور على شخص “أفضل” يقبله بعيوبه.
لعبة الرسائل المزدوجة: إبقاء الآخر في حالة من التخمين المستمر
تعتمد “لعبة الرسائل المزدوجة والتصرفات التي تحمل أكثر من معنى” على الغموض والإبهام. يقول الشخص المتلاعب كلامًا مبهمًا وغير واضح، يحمل في طياته العديد من التفسيرات المحتملة. يترك الطرف الآخر في حالة من التفكير المستمر ومحاولة فك رموز هذه الرسائل الغامضة والبحث عن إجابات مقنعة. ونتيجة لذلك، يصبح الشخص المتلاعب هو محور تفكير الطرف الآخر واهتمامه طوال الوقت، مما يعزز سيطرته النفسية عليه.
لعبة الغمر بالاهتمام ثم التجاهل: دائرة التعلق المؤلمة
تُعد “لعبة الغمر بالاهتمام والمحبة” من أخطر وأكثر الألعاب النفسية تأثيرًا في المراحل الأولى من العلاقة. يبدأ الشخص المتلاعب بمنح الطرف الآخر كميات هائلة من الحب والاهتمام المبالغ فيه، ويشعره بأنه شخص مميز وفريد ولا مثيل له. يخلق هذا “قصف الحب” شعورًا بالسعادة والنشوة لدى الطرف الآخر، الذي يقع سريعًا في شباك هذا الاهتمام الزائد. ولكن فجأة، يتحول هذا الفيضان من المشاعر إلى تجاهل وبرود في المعاملة. يشعر الطرف الآخر بالنقص والضياع، ويبدأ في التساؤل عن سبب هذا التغير المفاجئ ويسعى جاهدًا لاستعادة تلك المعاملة الدافئة التي تلقاها في البداية. وبمجرد أن يشعر الشخص المتلاعب بأن الطرف الآخر بدأ يفلت من قبضته، يعود مرة أخرى ليبادله الحب والاهتمام بشكل مؤقت، ليُبقيه عالقًا في دائرة مفرغة من التعلق المؤلم.
الحذر من الخلط بين الحب الحقيقي والتعلق المرضي
من الضروري أن نكون واعين تمامًا للفرق الشاسع بين الحب الحقيقي والتعلق المرضي. قد يتوهم الإنسان أنه يحب شخصًا ما بشدة، بينما يكون ما يشعر به مجرد تعلق بشخص اعتاد على وجوده بجانبه وعلى تلقي الاهتمام والمحبة منه. فيتصور الطرف “المتعلق” خطأً أن الطرف الآخر يبادله نفس المشاعر، ويبدأ في العطاء والتنازل وبناء أحلام وردية، ليكتشف للأسف بعد فوات الأوان أنه كان مخطئًا في اعتقاده.
“قصف الحب”: الشباك الذي يصطاد به النرجسيون والمتلاعبون
يجب أن ننتبه جيدًا لما يُعرف بـ “لعبة الحب والاهتمام”، فهذا هو الشباك الذي يصطاد به النرجسيون والمتلاعبون ضحاياهم. وللأسف الشديد، يكون أغلب هؤلاء الضحايا من الأشخاص الطيبين والعطوفين والودودين والناجحين، الذين يتمتعون بثقة عالية في أنفسهم وعلى نياتهم الطيبة. يفرح هؤلاء الأشخاص بالحب والاهتمام الزائد وغير المبرر، لدرجة أنهم لا يستطيعون التمييز بين الحب الحقيقي والعلامات السامة أو “التوكسك” كما نسميها في علم النفس. هذه المرحلة الأولية من العلاقة التي يتم فيها إغراق الضحية بالحب والاهتمام تُعرف بمرحلة “قصف الحب” (Love Bombing).
حماية النفس من المتلاعبين: وعي بالمشاعر وحدود واضحة
ختامًا، يجب أن نولي اهتمامًا كبيرًا لأنفسنا ولمشاعرنا حتى لا نكون ضحايا للأشخاص النرجسيين والمتلاعبين أو الساديين أو غيرهم من أصحاب الاضطرابات النفسية والاجتماعية. للأسف الشديد، تشهد مجتمعاتنا ارتفاعًا ملحوظًا في حالات الطلاق والانفصال، ويرجع جزء كبير من ذلك إلى الوقوع في مثل هذه العلاقات السامة. لذا، أتمنى للجميع علاقات صحية وسوية وحبًا حقيقيًا صادقًا وأشخاصًا أسوياء وحياة سعيدة ومستقرة.
اقرأ أيضاً:
حرب الاستنزاف (مارس 1969): الشرارة الأولى للنصر وتفوق العسكرية المصرية على أحدث الأسلحة الإسرائيلية
العدد الأول من مجلة أبطال صنعوا التاريخ





