أدب

الطلاق الصامت

الطلاق الصامت

كتبت: أهداب حوراني … فلسطين

كيف تتلاشى قلوب جمعتها الكثير من الوعود؟ وكيف يتحول الالتصاق إلى انحلال، والتعهد إلى برود، دون أن تترك الألسنة حروفًا، ودون أن يشي شيء بالشرخ الذي يمتد بين الروحين؟ هكذا يزحف الطلاق الصامت على الأيام خفيًّا، يحفر مسافاته بين جدران صامتة وقلوبٍ قد هدّها التعود، بعدما كان الحبّ يومًا زاهرًا، والودّ طريًّا يتنفس من نوافذ الأمل والتشارك.
الصمت، هذا القاضي الصامت في قاعات الحبّ، يسكن المساحات دون أن يُستدعى، ويؤسس لفجوة لا تلبث أن تكبر حتى تصبح كالهوة، ليس مجرد قرار يتخذه أحدهم بوعي واضح، بل هو حالة تراكمية؛ يبدأ من لحظة تجاهل أو كلمة لم تُقال، أو شعور لم يُعبر عنه، ليتحول بعد ذلك إلى جبل من المسافات المتراكمة، الصمت هنا قاتل بطيء، لا يهز كيانه بعنف، وإنما يفتته قطعة قطعة، حتى يصبح القلبان في عيشٍ يبدو متكاملًا من الخارج، ولكنه متهالك من الداخل.
فهل يكون الطلاق الصامت خيارًا أم قدرًا؟ قد يبدو لأول وهلة خيارًا مقصودًا، ولكن في عمقه هو نتيجةً لفشل مستمر في التعبير عن مشاعر تراكمت، وأماني خفتت، وشروخٍ لم يُلتفت إليها في وقتها، حينما ينسحب أحد الأطراف بصمت، قد يكون قراره مزيجًا من استسلامٍ للأمر الواقع، وعدم رغبة في الصدام فيتحول عندها الصمت إلى غطاءٍ ثقيل يُسدل على أحلامهم القديمة، فلا يمكن لأحدهم أن يرى الآخر كما كان يرى من قبل.
الطلاق الصامت أشبه بحياة موازية، حياة خالية من الألم العلني والمواجهة الحادة، لكنه في جوهره يفتقد لأبسط مشاعر التواصل، يدور الطرفان في فلكين مختلفين، يتشاركان تحت سقف واحد لكنهما غريبان، ويظل السؤال: ما الذي يقتلهما في تلك اللحظات؟ هل هو خوف من الحقيقة؟ أم هو كسل عاطفي؟ أم هي طقوس الحياة اليومية التي أصبحت تُستهلك بروتينٍ مرير؟ هذا الطلاق رغم صمته، يحمل في طياته صرخات لم تُسمع، وكلمات بقيت عالقةً في زوايا الذاكرة.
أما تلك القلوب التي جمعتها وعود البقاء، فقد وقعت في فخ الاعتقاد بأن الحبّ وحده يكفي، وبأن الدوام حتمي لكنها لم تدرك أن المشاعر كالأزهار تحتاج إلى العناية والرعاية وإلا بهتت وتلاشت، ولعلّ هذا ما يجعل الطلاق الصامت مريرًا، كونه لا ينهي الحب بشكلٍ واضح، وإنما يتركه في حالة احتضار بطيء، دون أن يُقدّم الرحمة الأخيرة له.
وهنا يكمن التحدي أيمكن أن تنبض تلك القلوب من جديد؟ ربما يمكن، إن وجدت الشجاعة للاعتراف بما تعانيه من جفاف، وإن أتيح لها أن تكسر الصمت بأحاديث تفتح نوافذ جديدة، ولربما حينها تستطيع أن تنير الطريق لعودة التواصل الحقيقي، ويصبح كل نبض فيها بمثابة اعتراف متجدد بوجود الآخر.
الطلاق الصامت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى