
رؤية نقدية لرواية مدعكة للكاتب عبد الرحمن بركات
بقلم الكاتبة والناقدة منى عبد اللطيف
قبل أن ابدأ الحديث عن رواية مدعكة دعوني أقص عليكم حكاية كهف أفلاطون
حيث الثلاثة سجناء المكبلين بواقعهم الضيق محاصرين بسطح أصم عاكس ماثل أمامهم ولهيب متطاير خلفهم وعالم حقيقي منسلخون عنه بفعل ذلك اللهيب الذي لا يدركونه فعيونهم شاخصة أمامهم وقيودهم تمنعهم من النظر للخلف فقط سجناء ذلك الكهف وتلك الظلال التي انعكست على السطح الأصم واستحالت لواقعهم فتبدلت الأدوار وحلت الأشباح محل الحقيقة…
ما علاقة كل هذا بمدعكة عبد الرحمن بركات؟
دعوني أوضح لكم من خلال رؤيتي عن الرواية:
والحقيقة إنها ليست المرة الأولى التي أتحدث فيها عن مدعكة فرأيي مجروح وإن كنت تكلمت مسبقا باختصار إلا أنني اليوم أريد أن أوفي حق تلك اللبنة الأولية لبناء متنور عاصف بالركود والثوابت والموروث الشبحي الأجوف…
في البداية أحب أثني على تصميم الغلاف نظرًا لما يتضمنه من معانٍ عكست لب الفكرة والغلاف عبارة عن وجه طفل خفي معظمه محاصر بغيوم زرقاء مظلمة التي قد تشعرك البداية بالهدوء لكنها تبطن بل وتسحبك لحالة من الحزن وربما اللامبالاة وهو أقسى مظاهر العجز لأنه عجز نفسي وكأنك تفقد تدريجيا التواصل مع الحياة فتعتاد الألم بل وتستعذبه أحيانا…
لكن الطفل الذي لم يظهر لنا من نفسه داخل الرواية سوى ذلك الجزء الذي يطل منه من خلف سجنه البارد بعين دامعة بعبرة صفراء وهنا وجدت بعضا من الدفء والأمل الذي تجلى عبر مخاض الحياة وتحدى بالمعرفة وصمم على البوح رغم الخطر الرابض…
ننتقل بعدها لاسم الرواية ففي المدعكة تذليل وحماقة وخصام وفساد في الأرض وما وجدته في الرواية هو تجسيد حقيقي لاسمها من تلك الشريحة اللاإنسانية والتي سلط الكاتب الضوء على فحشهم من خلال عمله الذي هو بداية لأجزاء أخرى ستعريهم باقتدار…
رؤية نقدية لرواية مدعكة للكاتب عبد الرحمن بركات
مميزات العمل في رأيي هو أسلوب السرد الذي امتزجت فيه الفصحى بالعامية المصرية وهي ليست العامية الركيكة بل عامية المثقفين التي وفي اعتقادي أقدر على إيصال المعنى والرسالة في أيامنا هذه من الفصحى خاصة حين يستهدف الكاتب مختلف المستويات الثقافية؛
ومن مميزات سرد عبد الرحمن بركات هو دقة الوصف دون ملل فهو ينقلك بحرفية لواقعه الروائي فتجد نفسك تارة رفيق رحلة وتارة أخرى مشاهد في الصف الأول من مسرح الحياة…
تبدأ الرواية بنص دردشة على مواقع التفاسخ الاجتماعي حسب قول الكاتب فنكتشف أن القاص الذي سيروي علينا حكايته فقد صوته! وهو اسقاط مباشر على ضياع صوت الحق وسط ضجيج الرويبضة…
ينتقل بعدها الكاتب عن طريق عدة لوحات حياتية تصف عناوين رئيسية في حياة الراوي الأنا،
بدأ بالجِد غليظ القلب الذي عكس الكاتب من خلال ملامحه طبائعه وبيئته وهنا توقفت برهة أمام علم الكاتب بالفراسة وتمكنه من تشكيل صورة باطنية لخصت الكثير…
يأتي بعدها دور المرأة في المدعكة وفي اعتقادي أن امرأة عبد الرحمن بمختلف أدوارها تمثل مصرنا الغالية بداية من الجدة المنهكة التي عبر من خلالها على إجهاد مصر منذ زمان بلا رحمة وهوان قوتها الحياتية وسطوة الزمن وصمودها وعزمها رغم كل شيء، بواقعية شديدة نابضة بالحياة…
رؤية نقدية لرواية مدعكة للكاتب عبد الرحمن بركات
ننتقل بعدها للمدرسة وجمود الفكر وقصور دور المعلم الحقيقي الذي لا يشجع على الثقافة بل هو ملقن معتز بمحدوديته متطرف أمام المدخلات كحادثة تمزيق إحدى أعداد رجل المستحيل بالإضافة لتجريم الثقافة في بيوت هؤلاء حيث يعمل كل منهم ككماشة عقلية تفلتر كل ما هو واعي ومهدد لكهنوتهم…
يبدأ بعدها الكاتب مرحلته التنويرية المعادية لمدخلاتهم التي لا تمت لديننا الحنيف بصلة بل هي موروث خرافي فسره كهنوت جاهل…
كاستباحتهم للمرأة وتبريرهم للاغتصاب الزوجي رغم أن الله قال وجعلنا بينكم مودة ورحمة…
واستمساكهم بمظهر يدّعون أنه ديني وتناسيهم لجوهر الدين،
وهنا نعود لرمزية اللون حين ارتدى الطفل بدلته الحمراء يوم صحبته أمه لزيارة أبيه داخل المعتقل وهنا نجد أنها بدلة إعدام طفولته التي خاض بها طريق موته فسُحب بلا حول ولا قوة لمنحدر قبره لتبدأ حُمى قتل براءته التي لم تتوقف…
أما عن الموروث اللاديني فلم ينج منه أحد حتى حراس المعتقل الذين تعاملوا مع اسم النساء كعورة وجب خمرها فنادوهم بأسماء ازواجهن المعتقلين!
بعدها برز الصراع النفسي لذلك الطفل الموؤد حديثا عن طريق تلك الغصة التي لازمته كشعور وحيد وسط حصار البلادة البيضاء المميت فاستعذبه كناقوس يذكره أنه مازال على قيد الحياة!
ورأيت هنا أن الطفل يرمز أيضا للفطرة السليمة والحق المنتهك الضعيف أمام سياط الباطل…
رؤية نقدية لرواية مدعكة للكاتب عبد الرحمن بركات
اعتمد الكاتب كثيرا في وصفه وكما سبق وذكرت على رمزية الألوان والتضاد الذي أبرز المعنى والعديد من الرموز كالمرأة التي سبق وقلت أنها مصر المنهكة الصامدة الخيّرة المنتهكة اللاهية عن أبنائها المروضة الهاربة من ماضٍ مُشرف لحاضر آثم تحكمه شرذمة شيطانية تتخفى تحت عباءة الورع يكذبون على أنفسهم ومريديهم بمنتهى الصدق، والحائط الذي شكل ملاذ للفطرة الدينية والإنسانية النقية الصامد أمام أحجار الزيف والتطرف والإرهاب، فكان المأوى الذي انسلخ فيه المدعوك عن فداحة واقعه…
بالإضافة لرمزية الأسماء كمحظية وسياف وخفاش ووابل فكل منهم أشار لدوره الحقيقي ببراعة، ورمزية المعنى كتركيز الكاتب علة حفظ لوح من القرآن وتكرار الحفظ كدليل على انعدام التفكر والاكتفاء بالترديد، ننتقل بعدها لرمزية المكان حيث كشف الستار عن عدة معلومات مسكوت عنها كالشقة المقبرية التي رمزت للمجتمع الذي يسكن المجتمع بمرادفاته وعدائه المبطن للجميع، وتخاذل دور الأزهر وتفشي التطرف بجنباته وهامشية الحقيقة وتخاذلها كبطل نسي دوره واعتنق عباءة الكومبارس، وأخيرًا الكهف الذي قود سجنائه وغشى عقولهم وكان مدعوكنا الذي تمرد فهو الوحيد الذي رأى بعضا من الحقيقة يوما ما، ورغم الانتهاكات وغلظة ريح الجهالة والخضوع واستبدال الحقيقة بالزيف، لكن رغم غربة الإنسانية في مزرعة الحيوان إلا أنه تجرأ وحكى ولن يخمد صوته…






