
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليما كثيرا أما بعد لقد كان نبى الله صالح عليه السلام من أشرف قومه نسبا، وأوسعهم حلما، وأصفاهم عقلا، وقيل أن نبي الله صالح عليه السلام من العرب فإنه لما أهلك الله قوم عاد وانقضى أمرها عمرت ثمود بعدها فاستخلفوا في الأرض فانتشروا ثم عتوا على الله فلما ظهر فسادهم وعبدوا غير الله، فدعاهم إلى عبادة الله، وحضّهم على توحيده، فهو الذي خلقهم من تراب، وعمر بهم الأرض، واستخلفهم فيها، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ثم نهاهم أن يعبدوا الأصنام من دونه، فهي لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا تغني عنهم من الله شيئا، وذكّرهم بأواصر القربى التي تربطه بهم، ووشائج النسب التي تصل بينه وبينهم.
فهم قومه وأبناء عشيرته، وهو يحب نفعهم، ويسعى في خيرهم، لا يضمر لهم سوءا، ولا يريد بهم شرا، وأمرهم أن يستغفروا الله، ويتوبوا إليه مما اقترفوا من ذنب، واجترحوا من إثم، فالله سبحانه وتعالى لمن دعاه قريب، ولمن سأله مجيب، ولمن أناب إليه سميع، فما كان منهم إلا أن صمت منهم الآذان، وغلفت القلوب، وعميت الأبصار، فأنكروا عليه نبوته، وهزئوا بدعوته، وأنها بعيدة عن الحق الصدق، ثم لاموه فيها، وأنبوه على صدورها منه، وهو الراجح عقلا، والصائب رأيا، وقالوا له يا صالح عهدناك ثاقب الفكر، مصيب الرأي، وقد كانت تلوح عليك ملامح الخير وأمارات الرشد، وكنا ندخرك لملمّات الدهر، تضيء ظلماتها بنور عقلك، وتحل معضلاتها بصائب رأيك، وكنا نرجو أن تكون عدتنا حين يحزب الأمر ويشتد الخطب، فنطقت هُجرا، وأتيت نكرا.
فما هذا الذي تدعونا إليه؟ أتنهانا أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا، وقد درجنا عليه، ونشأنا مستمسكين به، إننا لفي شك مما تدعونا إليه مُريب، لا نطمئن إلى قولك، ولا نثق بصدق دعوتك، ولن نترك ما وجدنا عليه آباءنا ونميل مع هواك وزيغك فحذرهم صالح عليه السلام من مخالفته، وأعلن فيهم رسالته، وذكرهم بما أصبغ الله سبحانه وتعالى عليهم من نعمه، وخوفهم بأسه وبطشه، وأبان لهم أنه لا يقصد من وراء دعوته إلى نفع، ولا يطمع في مغنم، ولا يتطلع إلى رياسة، وهو لم يسألهم أجرا على الهداية، ولا يطلب جزاء على النصيحة، وإنما أجره على الله رب العالمين، درءا لكل شبهة قد تساور نفوسهم، ودفعا لكل شك قد يجول في خواطرهم، فآمن به بعض المستضعفين من قومه، أما الملأ الذين استكبروا فأصروا على عنادهم، وتمادوا في طغيانهم، واستمسكوا بعبادة أوثانهم.
وقالوا له إنك قد خولطت في عقلك، وضاع صوابك، وما نظن إلا أن أحدا سلط عليك شيطانه، أو أعمل فيك سحره، فأصبحت تهرف بما لا تعرف، وتنطق بما لا تفقه، فلست إلا بشرا مثلنا، وما أنت بأشرفنا نسبا، أو أفضلنا حسبا، أو أوسعنا غنى وجاها، وفينا من هو أحق منك بالنبوة، وأجدر بالرسالة، فما حملك على انتهاج هذه الطريق، وسلوك تلك السبيل، إلا رغبتك في تعظيم نفسك، وتطلعك إلى الرياسة على قومك، وحاولوا صده عن دينه، وصرفه عن دعوته، وزعموا أنهم إن اتبعوه حادوا عن الصراط المستقيم، وخالفوا الطريق القويم، فأعرض عن بهتانهم، ولم يستمع إلى غوايتهم، وقال يا قوم إن كنت على بيّنة من ربي، وآتاني منه رحمة، ثم اتبعت طريقكم، وسرت في سبيلكم وعصيت ربي، فمن يمنعني من عذابه، أو يعصمني من عقابه؟ إن أنتم إلا مفترون .





