أخبار محليه

الماورائيات ومعركة تغييب الوعي

الماورائيات ومعركة تغييب الوعي

 

الماورائيات ومعركة تغييب الوعي

بقلم : د. غادة محمد عبد الرحمن

الماورائيات ومعركة تغييب الوعي

لقد شهدت الآونة الأخيرة انتشاراّ ملحوظاً، لما يعرف بعلم ما وراء الطبيعة أو الماورائيات، في المجتمعات العربية والإسلامية، وذلك بعد أن أعطت العديد من وسائل الإعلام في هذه المجتمعات اهتماماً غير مسبوق لمثل هذه الموضوعات، وأفردت لها مساحات واسعة، بالإضافة إلى إعطاء فرصة الظهور لأشخاص غامضين، يقدمون أنفسهم على أنهم باحثون في علم ما وراء الطبيعة، ليعلنوا عن نظرياتهم الغريبة، وأفكارهم غير المنطقية، الأقرب ما يكون إلى أفلام الخيال العلمي.

 

فهناك إصرار غريب على تحويل أساطير هوليوود إلى حقائق مسلم بها، حيث نفاجأ بين حين وآخر بأحاديث تؤكد على وجود الكائنات القضائية وظهور أطباقهم الطائرة، وكذلك سكان جوف الأرض أو ما يعرفون بالرماديين، هذا بالإضافة إلى الترويج للعديد من المصطلحات، التي لا يمكن وصفها إلا بالخيالية، كمصطلح “البوابات النجمية” التي يمكن من خلالها السفر عبر الزمن، والتنقل بين الكواكب، وعلى الرغم من فشل هؤلاء في تقديم اي من الأدلة الملموسة على حقيقة ما يدعون، إلا أنهم مستمرون في الترويج لأفكارهم الشاذة، وكأنهم يراهنون على التكرار لإضفاء الواقعية على مزاعمهم، وتثبيتها في الأذهان، ومن ثم تتحول إلى طموحات عظيمة تلهث خلفها الشعوب لتحقيقها والوصول إليها، وهي في حقيقة الأمر حيلة لإلهاء هذه الشعوب، وصرف أنظارها عن ما تعانيه من أزمات، وما يحاك ضدها من مؤامرات، واغراقها في الوهم والبحث عن السراب.

 

هذا بالإضافة إلى ما يقال ويروج له عن قيام الدول العظمى باستجلاب الجن والشياطين للاستعانة بهم في تنفيذ مخططاتها ضد الشعوب الأخرى، وبقدر ما يثيره هذا القول من سخرية بقدر ما يعد ترويجاً صريحاً للدجل والشعوذة، هذا بالإضافة إلى الترويج للتنبؤ بالمستقبل، ومعرفة الغيب، حيث أصبحت العديد من وسائل إعلامنا ساحات مفتوحة أمام المنجمين والعرافين، الذين ارتدوا ثوب أهل الدين، وقناع العلماء، لإضفاء القدسية والمصداقية لما يبثوه من أباطيل، لا يقبلها دين ولا عقل ولا منطق.

 

ولا يمكن تفسير الانتشار الواسع لهذه الأفكار الغريبة والنظريات الشاذة، إلا بأنه جيل جديد من الحروب التي تستهدف الفكر بشكل مباشر، حيث تعمل على تغييب الوعي لدى الشعوب المستهدفة، وإغراقها في دوامة من الجهل، والتخلف، والانحدار الديني، والثقافي، وذلك بعد تشويش الفكر، والتشكيك في كل الثوابت الدينية والثقافية، ومن ثم تصبح شعوب مشوهة الوعي، لا ترتكن إلى أية ثوابت دينية أو ثقافية، باحثة عن الوهم كحل لما تعانيه من أزمات، وآخذة من الخزعبلات وسيلة لمواجهة التحديات.

 

وأخيراً، يجب علينا أن لا ننساق خلف ما يروجون له من أفكار ذات بريق غريب، أو ننبهر بها، وإلا سنجد أنفسنا ودون أن نشعر وقد أصبحنا شعوباً مختلة فكرياً وثقافياً، نحاول أن نستجلب الجن والشياطين، أو ننتظر أجناس أخرى تأتي لنا من باطن الكوكب أو خارجه، لكي تساعدنا في مواجهة المؤامرات التي تحاك ضدنا، واستعادة حقوقنا المغتصبة، أو نبحث عن وسيلة نسافر من خلالها عبر الزمن لنبحث في حضارات سابقة عن حلول لمشكلات لم تكن موجودة في هذه الحقب الزمانية من الأساس، ومن ثم تنجح مخططات القوى المعادية، التي تريد لنا أما الترهيب وأما التغييب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى