
ومن يوق شح نفسه
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا عزّ إلا في طاعته، ولا سعادة إلا في رضاه، ولا نعيم إلا في ذكره، الذي إذا أطيع شكر، وإذا عُصي تاب وغفر، والذي إذا دُعي أجاب، وإذا استُعيذ به أعاذ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد لقد أمرنا الله عز وجل بالإنفاق، وإذا تكلمنا عن الكرم والجود والعطاء والسخاء فإن عكس الكرم والجود هو البخل والشح، حيث قال الله تعالي في سورة الحشر ” ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون” وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم” بل عد النبي صلى الله عليه وسلم الشح من السبع الموبقات.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اجتنبوا السبع الموبقات وعد منها بعد الشرك بالله الشح” وإن الشح كقطع الأرحام، ويحل الظلم والعدوان، ويجترئ الناس به على المعاصي وفعل السيئات لأن أنفسهم مريضة، ثم إن الشح ينافي الإيمان ويغضب الرحمن، وليس البر أن نشح بما آتانا الله، ثم الصدقة تطفئ غضب الرب، والشح يغضب الرب، فقال الله تعالى كما جاء في سورة الحديد ” وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض” وإن الكرم والجود لا يكون بالمال فقط، بل بالنفس، وهذا من أعظم الكرم والبذل والجود، ثم الجود بالعلم، ثم الجود بالنفع والجاه، ثم الجود بالعرض، ويقول الله عز وجل كما جاء في سورة البقرة ” يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون”
فمن الذي كتب؟ ومن الذي فرض؟ إنه الله سبحانه وتعالي، ومن الذي يجازي على الصيام؟ ومن الذي يثيب؟ إنه الله عز وجل، ومن الذي يطلع على صوم الصائمين؟ إنه الله الحي القيوم، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فأنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي” رواه البخاري ومسلم، كيف هذا؟ تصلي فيراك الناس، وتزكي فيراك الناس، وتحج فيراك الناس، إلا الصيام فمن يدري؟ لعلك قد تأكل بين الحيطان، وقد تشرب بين الجدران، لكن علام الغيوب يراك، فسبحانه وتعالي القائل ” الذي يراك حين تقوم، وتقلبك في الساجدين” فمن الذي يعلم سرك إلا الله عز وجل، فسبحانه وتعالي هو رب الظلام ورب الضياء، فالصلاة تصليها أمام الناس، والزكاة تزكيها بها أمام الناس، والحج يُحج أمام الناس.
أما الصيام قد تختفي في الظلام، وتأكل وتشرب، ويظن الناس أنك صائم، ولكن الله يدري أنك لست بصائم، لأن الصيام هو سر بينك وبين الله، فقيل أن رجل من بني إسرائيل عبد الله تعالي أربعين سنة، كان صالحا تقيا ثم انتكس، فعصى الله جل وعلا أربعين سنة أخرى، فانظر إلي أربعين سنة يطيع الله، ثم أربعين سنة يعصي الله ويجاهر بالمعصية، ثم أراد أن يتوب، فقال يارب أطعتك أربعين عاما، وعصيتك أربعين عاما، فهل لي من توبة إن أنا تبت وأنبت إليك يا رب؟ فإذا به يسمع مناد يناديه عبدي أطعتنا فقربناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن رجعت إلينا قبلناك، فقد قال تعالى ” إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما” وإن لم يُغفر لك في رمضان فمتى؟ وإن لم يرحمك الله في رمضان فمتى؟





