
“”هل البكاء على ما حدث يستحق البكاء؟
عبده الشربيني حمام
أنت تبكي على شيء مضى، لأن الماضي يموت ولا يستحق البكاء عليه. بل فكر قليلاً وابحث. ستجد من يدعوك إلى المجد والرخاء.
قال الله تعالى: (إذ تصعدون ولا تتولون عن أحد والرسول يدعوكم من خلفكم فأثابكم حزناً بغم لكي لا تحزنوا على ما فاتكم أو ما فاتكم). لقد ابتلاك والله عليم. (آل عمران: 153)، وقال – سبحانه -: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلى إن كنتم مؤمنين) (آل عمران: 139)، وقال الله تعالى: “لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم” (الحديد: 23).
قال السعدي -رحمه الله-: “”لقد أخبر الله عباده بذلك ليقوم لهم هذا الحكم، وليبنوا عليه ما أصابهم من خير وشر، فيكونوا”” ولا ييأسوا ويحزنوا على ما فاتهم مما طلبته نفوسهم وطمحت إليه، لأنهم علموا أن ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ. لا، لا بد أن يكون له أثر ويحدث، فلا سبيل إلى رده، ولا يفرحون بما أعطاهم الله من فرح وشر، لأنهم يعلمون أنهم لم يحصلوا عليه بقوتهم ولا بقوتهم. القوة، بل حصلوا عليها بفضل الله وفضله، فانشغلوا بالعطاء، وشكر المنعم عليهم، وتجنب النقمة.
قال أنس – رضي الله عنه -: كنت أخدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين نزل، فكنت أسمعه يقول: (اللهم إني أعوذ بك) من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وغلبة الدين، وغلبة الرجال) (متفق عليه). وعن عكرمة -رحمه الله- قال: «ليس أحد لا سعيد ولا حزين» واجعل الفرح شكرًا والحزن صبرًا.
قال ابن القيم -رحمه الله-: «واعلم أن الحزن من عوائق الطريق؛ فهو ليس من مقامات الإيمان، ولا من مقامات السالكين. ولهذا لم يأمره الله في أي مكان، ولا يمتدحه، ولا يرتب له أجرًا أو مكافأة. بل نهى عنه على كل حال». ولا يوجد موضع آخر مثل قوله – تعالى -: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) (آل عمران: 139)، وهو – تعالى -. – قال: (ولا تحزن عليهم ولا تحزن على ما استطعت) (النمل: 70)، وقال: (وإذ يقول لصاحبه لا تفعل) واحزنوا إن الله معنا» (التوبة:40).
الحزن من المصائب التي نسأل الله أن يدفعها ويكشفها. ولهذا يقول أهل الجنة: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) (فاطر: 34)، فيشكرونه على أن أذهب عنهم ذلك البلاء وينقذهم منه. وفي الصحيح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والشهوات). ). الجبن، وغلبة الدين، وغلبة الرجال) فاستعيذ من ثمانية أشياء، كل واحدة منها مرتبطة: الهم والحزن قرينان، وهما الألم الذي يأتيني. “إذا كان القلب على ما مضى فهو حزن، وإذا كان على ما هو قادم فهو هم. إذا كان الألم ناجما عن افتقاد الماضي، فإن له أثر الحزن، وإذا كان مصدره الخوف مما سيأتي، فإن له أثر القلق.
والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحزن مما تتعوذون به. وذلك لأن الحزن يضعف القلب، ويضعف العزيمة، ويضر الإرادة، وليس شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن. قال الله تعالى: (إنما السر من الشيطان إلا ليحزن الذين آمنوا) (المجادلة:10). الحزن مرض”,
“وفي القلب يمنعه من النهوض والتقدم. وعقوبتها هي عقوبة المصائب التي تصيب العبد بغير اختياره. مثل المرض والألم ونحو ذلك. أما هو فهو عبادة مأمور بتحقيقها والسعي من أجلها… وأما الحزن فالحمد على سببه ومصدره ونتيجته لا على نفسه. فالمؤمن إما أن يحزن على تفريطه وتقصيره في خدمة ربه وعبوديته، وإما أن يحزن على تورطه في معصيته ومعصيته وتضييع أيامه وأوقاته.
وهذا يدل على سلامة الإيمان في قلبه وفي حياته، فقد انشغل قلبه بهذا الألم وحزن عليه، ولو كان قلبه ميتا لم يشعر به، ولم يحزن، ولم يحزن. تخطى. يتألم، فجرح الميت ليس له ألم… لكن الحزن لا يساعده،
لأنه يضعفه؛ بل المفيد له أن يستقبل الحركة ويكتشفها ويطويها ويبذل قصارى جهده. وهذا كمن فقد صحبته في السفر، فجلس في الطريق حزينًا كئيبًا، يشهد انقطاعه، ويأمر نفسه باللحاق بالناس. وكان كلما شعر بالبرد والحزن يقول لنفسه أن تنضم إلى صحبته، ووعدها أنها إذا صبرت ستنضم إليهم، وتزول العزلة. وبذلك تسافر إلى بيوت الصالحين وبيوت المقربين منك.
وأخص هذا الحزن: حزنه على ضياع الوقت بسبب الفراق الذي يضعف القلب عن إكمال طريقه، ووجده في سلوكه، فالفراق من أعظم المصائب على المسافر… وأكثر خاصة. ومن هذا الحزن: حزنه على جزء من قلبه، كيف يخلو من محبة الله، وعلى جزء من محبته. وتتشتت أجزاء جسده بلا محبة الله. هذا هو حزن النخبة،
وهذا يشمل حزنهم على كل معارضة تشغلهم عن الفكر أو الإرادة التي تعنيهم، أو أي انشغال من الخارج.
مستويات الحزن هذه ضرورية على الطريق، لكن الحقيبة لا تدعها تمتلكها وتجلس هناك، بل بدلًا من أن يفكر فيها، تجعلها فكرته عما سيصدها به. وعندما يأتي شيء سيئ إلى النفس،
إذا كانت صغيرة، فإنها تنشغل بالتفكير فيه، والتفكير في الأسباب التي تدفعها بعيداً. وهذا ما سبب حزنها، حتى لو كانت ذات نفس عظيمة شريفة،
لم تفكر في الأمر، بل وجهت أفكارها إلى ما ينفعها. فلو عرفت المخرج لفكرت في المخرج وأسباب ذلك المخرج، ولو علمت أنه لا مخرج منه لفكرت في العبودية لله فيه، لكان ذلك تعويضاً عن حزنها. وفي كل حال لا فائدة من الحزن أبداً، والله أعلم» (طارق الهجرتين).”





