يزيد خلفا لعمر بن عبد العزيز
بقلم / محمـــد الدكـــروري
يزيد خلفا لعمر بن
ذكرت المصادر التاريخية الإسلامية كما جاء في كتب السيرة النبوية الشريفة الكثير عن خلافة يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموي القرشي، وقد تولى يزيد بن عبد الملك أمر المسلمين بعد الخليفة عمر بن عبد العزيز، فسار بسيرته برهة من الزمن، ثم ترك نهجه واتخذ نهجا آخر تابع فيه كثيرا من سياسات أسلافه من بني أمية الإدارية والمالية، وخالف عمر بن عبد العزيز في بعض تجديداته وإصلاحاته خاصة في المجال المالي، وبتفحص الروايات عن شخصية يزيد وسياسته يتبين أن الاختلاف بين شخصيتي يزيد وسلفه عمر هو الذي كان وراء الاختلاف بين سياسة الرجلين، فقد غلب على عمر بن عبد العزيز الوازع الديني فاتسمت سياسته بالروح الإسلامية.
وكان ذلك مما دفعه إلى تطبيق السياسة الإسلامية على نظم الحكم، كما فاقه عمر من حيث القدرة والكفاءة الإدارية والحضور الدائم، والانصراف إلى العمل، وتحمل المسئولية، والحق أن يزيد بن عبد الملك لم يدع الأمور تجري بلا ضابط، فلم يكن بالبعيد عن إدارة دفة الحكم، فسنجده وراء الكثير من الأحداث يعالجها ويوجهها ويخطط لها، لكنه لم يعط كل جهده ووقته واهتمامه لشئون دولته كما كان يفعل سلفه عمر، ومع ذلك فقد حرص على بقاء دولته مهابة مصونة في الداخل والخارج، وإن كان قد اتخذ في سبيل تحقيق ذلك سياسات تخالف نهج سلفه عمر، وقيل أنه لما ولي الخلافة يزيد بعد عمر بن عبد العزيز قد قام بتغيير غالب ما كان قرره عمر، وقال ثم عزل جماعة من العمال.
فلم يقل غير كل ما قرره عمر، أو عزل جميع عماله، ويبدو واضحا أن الخليفة يزيد لم يكن يملك الرؤية البعيدة، ولم يعمل وفق استراتيجية مرسومة فى خلافته، كما يظهر أنه لم يُحط بظروف دولته بعد حركة الفتوح الكبرى التي تمت في عهد أسلافه، وأهمية استيعاب الدولة للمتغيرات التي تعيشها من جراء دخول أجناس ومذاهب مختلفة متباينة، وكان على الدولة صهرها في جسم الأمة، ونشر الدين الإسلامي بينه، وهذا ما لمسه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وسعى إليه، إلا أن الخليفة يزيد لم يدرك ذلك فعاد إلى سياسة من سبق وهو أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، ومن خلفاء بني أمية وذلك عن طريق العودة إلى تنشيط حركة الفتوح وضرب المعارضة بكل قوة.
وإهمال الإصلاح الداخلي وعدم الاهتمام بصهر القوى الجديدة في أمة الإسلام وتطبيق الإحكام الإسلامية عليهم، وللحق فإن سياسة يزيد وحده لم تكن وراء الوهن الذي أصاب دولة بني أمية، ولكنه بعدم إدراكه ما تحتاجه الدولة في تلك المرحلة من إصلاح، وما تعيشه من متغيرات، وقد استمر في سياسة أسلافه قبل عمر، وأدار ظهره للكثير ما صنعه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فاستمر الوهن في عهده، وجرت بعض سياساته بالدولة نحو هاوية الانهيار، وإن كان هذا الوهن والتدهور لم يظهر واضحا في زمنه بل استطاع الإبقاء على حدود دولته مصونة، وكيانها مهابا، فظل ينخر في جسم الدولة متواريا، حتى ظهر ذلك متأخرا فيما بعد.



