البكاء بين يدي صنعاء
بقلم : السعيد عبد العاطي مبارك الفايد – مصر ٠
================
البكاء بين يدي صنعاء وداعا ً شاعر و ناقد و مفكر اليمن و العرب و حادي صنعاء ٠٠ !!
د ٠ عبد العزيز المقالح ” ١٩٣٧ / ٢٠٢٢ م “
ليرحل عن عالمنا في صنعاء يوم الإثنين الموافق ٢٨ من نوفمبر ٢٠٢٣ ٠
ولد في عام ١٩٣٧ م بمحافظة اب اليمنية
ورحل في يوم الاثنين الموافق ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٢م و ذلك بعد رحلة عطاء طويلة وصراع مع المرض عن عمر ناهز ٨٥ عاما ٠
و هو المجدد و الرائد في القصيدة اليمنية و العربية عاشق صنعاء ليظل مع هذا الجيل العربي الذي نهض بالقصيدة مع الواقعية والحداثة من خلال الشعر العمودي إلى التفعيلة الحر المرسل مع احتفاظه بالجوهر و الوزن ولكن في الشكل و تناول القضايا ٠
خير من وصف صنعاء و عرش بلقيس وسد مأرب و البن اليمني ٠٠
٠٠٠٠٠٠
الداعى إلى تأجيل
موتى
جسدى يشيخُ
ومثله لغتى وصوتى
ذهبَ الذين أحبهم
وفقدتُ أسئلتى
ووقتى
أنا سائرٌ وسط القبورِ
أفرُّ من صمتى
لصمتى.
—
أبكى
فتضحكُ من بكائى
دورُ العبادةِ والملاهى
وأمّدُ كفى للسماء
تقولُ: رفقاً يا إلهى
الخلقُ – كل الخلق –
من بشرٍ، ومن طيـرٍ
ومن شجرٍ
تكاثر حزنْهم
واليأسُ يأخذهم – صباحَ مساءَ –
من آهٍ..لآه ٠٠
( من قصيدة : أعلنت اليأس )
————
عشقاً إنسانيّاً صارَ الحبُّ العربي
عشقاً عربيّاً صارَ الحبُّ الإنساني
عربيّاً،
إنسانيّاً،
صارَ الحبُّ النّابتُ في أرضي
الطّالعُ منْ ليلِ الصَّحْراءْ،
في يَدِهِ وردُ الشرقِ
وفي عينيهِ هدوءُ النهرِ
وعمقُ البحرِ،
ولونُ سماءِ الصيفِ القَمَرِيّةْ.
٠٠٠٠
هذا الشاعر اليمني الكبير و المكر العربي د٠ عبد العزيز المقالح الذي يعد رائدا من رواد الشعر و الأدب و الثقافة العربية ، فقد عرفته منذ نعومة اظفاري فقد درسنا له في الثانوية العامة بعض النصوص مع صلاح عبد الصبور ٠٠
فهو من جيل الرواد مع نازك الملائكة و السياب و البياتي و فاروق شوشة و غيرهم كثيرون في الوطن العربي ٠٠
و قد اقتنيت بعض أعماله شبه الكاملة من معرض بغداد الدولي عن دار العودة البيروتية ٠٠
و كنت أتابع شعره في مجلة العربي و الدوحة و الفيصل ٠٠٠ الخ
و كتبت عنه عدة دراسات أدبية ٠٠
و لَمَ لا فقد كتب عشرات الدواوين و الكتب و كُتب عنه عشرات الكتب بل و تناولت عشرات الرسائل العلمية الجامعية ظاهرة شعره ٠٠
فهو صوت صنعاء الذي تغنى بها وصنوه البردوني فاليمن أم الشعر منذ النشأة و أفلح الموالح يتصدر الريادة في الساحة العربية في عصرنا المعاصر الحديث هكذا ٠٠
* نبذة عنه :
—————
وُلِدَ الشاعر و المفكر والناقد اليمني الراحل د٠ عبد العزيز المقالح في قرية المقالح الواقعة ضمن محافظة إب سنة 1937 م ٠
وهو رئيس المجمع العلمى اللغوى اليمني، درس على مجموعة من العلماء والأدباء فى مدينة صنعاء، وتخرّج في دار المعلمين بالعاصمة اليمنية صنعاء عام 1960 م ، ثم حصل على الشهادة الجامعية في عام 1970، ونال بعد ذلك درجة الماجستير في اللغة العربية وآدابها، من كلية الآداب بجامعة “عين شمس” المصرية، ومنها حصل أيضاً على درجة الدكتوراه في عام 1977، وترقى إلى درجة الأستاذية في عام 1987.
= بدأ مسيرته العملية مدرِّساً في كلية الآداب في جامعة صنعاء، وترأس الجامعة بين عامي 1982 و2001.
كما فاز بعددٍ من الجوائز والتكريمات، من بينها “جائزة الثقافة العربية”، التي منحته إياها منظمة “اليونيسكو”، وجائزة الشعر، التي منحجته إياها مؤسسة “سلطان بن علي العويس” الثقافية.
صدر للدكتور عبد العزيز المقالح، نحو 15 ديوانا شعريا هى :
“لا بد من صنعاء، 1971م، مأرب يتكلّم، بالاشتراك مع السفير عبده عثمان، 1972م، رسالة إلى سيف بن ذى يزن، 1973م، هوامش يمانية على تغريبة ابن زريق البغدادي، 1974م، عودة وضاح اليمن، 1976م، الكتابة بسيف الثائر على بن الفضل، 1978م، الخروج من دوائر الساعة السليمانيّة، 1981م، وراق الجسد العائد من الموت، 1986م، أبجدية الروح، 1998م، كتاب صنعاء، 1999م، كتاب القرية، 2000م، كتاب الأصدقاء، 2002م، كتاب بلقيس وقصائد لمياه الأحزان، 2004م، كتاب المدن، 2005م، بالقرب من حدائق طاغور. 2018م”.
كما أن لديه 15 كتابا أدبيا ونقديا هي: “الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر فى اليمن، شعر العامية فى اليمن، قراءة فى أدب اليمن المعاصر، أصوات من الزمن الجديد، الزبيرى ضمير اليمن الوطنى والثقافي، يوميات يمانية فى الأدب والفن، قراءات فى الأدب والفن، أزمة القصيدة الجديدة، قراءة فى كتب الزيدية والمعتزلة، عبد الناصر واليمن، تلاقى الأطراف، الحورش الشهيد المربي، عمالقة عند مطلع القرن، الوجه الضائع، دراسات عن الأدب والطفل العربي، شعراء من اليمن.، بالإضافة إلى صدور العديد من الدراسات حول شعره وأعماله الأدبية ٠
* مختارات من شعره :
—————————-
يقول الشاعر و المفكر و الناقد د٠ عبد العزيز المقالح في قصيدة تحت عنوان ( في انتظار قمر العشق والثّورة ) و هى تحمل دلالات رمزية وواقعية تأملية فلسفية ذات صبغة تمردية ثائرة لها صدى الحب و الجمال و النور برغم الوجع و الحزن :
– 1 –
عشقاً إنسانيّاً صارَ الحبُّ العربي
عشقاً عربيّاً صارَ الحبُّ الإنساني
عربيّاً،
إنسانيّاً،
صارَ الحبُّ النّابتُ في أرضي
الطّالعُ منْ ليلِ الصَّحْراءْ،
في يَدِهِ وردُ الشرقِ
وفي عينيهِ هدوءُ النهرِ
وعمقُ البحرِ،
ولونُ سماءِ الصيفِ القَمَرِيّةْ.
– 2 –
يا قمراً يتلألأُ في ليلِ الجوعْ
يقطعُ صحراءَ الخوفِ بلا سيفٍ،
إلاّ سيفَ الكلماتْ،
ينثالُ على الجوعى خبزاً
مطراً،
يركضُ في أوردةِ الأحياءِ المحرومةِ،
يتلو أرغفةَ الشِّعْرِ
ويزرعُ ضوءَ قناديلِ الحُبْ..
أشْعِلْنا بالصوتِ الأخضرِ،
هذا زمنُ الشوقِ الأبكمْ
فَلْتَتَكَلَّمْ
أحْرِقْ أفدنةَ الصمتِ الممتدَّةِ
بينَ شرايينِ مدينتِنا والرِّيْفْ
بينَ الكلماتِ المسنونةِ
والفعلِ المُتَثَلِّمْ
بينَ الثلجِ وبينَ النارْ
بينَ الرَّغْبَةِ في التَّكْوينِ
وبينَ التَّكْوينْ..
يا قمراً يتلألأُ في ليلِ الجوعْ
يا نهراً يركضُ في الصَّحْراءِ،
ارْكُضْ
ارْكُضْ
ارْكُضْ.
– 3 –
التُّفّاحةُ نصفانْ:
نِصْفٌ للَّيلِ ونصفٌ للشَّمْسْ،
نصفٌ للتَّجْرِبَةِ الكبرى
والنِّصْفُ الآخرُ للأحزانْ..
فمتى يجتمعُ النِّصْفانْ؟!
طالَ حنينُ الشّارعِ للشارعِ
والحارةِ للحارةِ،
طالَ حنينُ الشُّطْآنْ.
أشجارُ (البُنِّ) تحنُّ إلى زَبَدِ البَحْرْ
زبدُ البحرِ يحنُّ لأشجارِ البُنْ..
منْ يمسحُ جدرانَ البَيْنْ
بِيَدِ القلبِ المشتاقْ،
ويعيدُ الوحدةَ للنصفينْ؟!
أنتَ اللَّهَبُ المنذورُ
الرّاكضُ في الصَّحْراءْ،
في شفتيهِ سحاباتُ الحبِّ
وفي الكَفِّ زهورُ الماءْ.
– 4 –
كانتْ نَجْماتُ الشَّرْقِ – بلا هدفٍ –
تهوى
تتخاصمُ،
تتهاجَى بالكلماتِ
وأحياناً بالسَّيْفْ.
أشجارُ (البُنِّ) تسيلُ دماً
أشجارُ (دَمِ الأَخَوَينِ) تسيلُ دموعاً
يتخضَّبُ وجهُ الشمسِ سواداً،
أشلاءُ نجومٍ خابيةٍ في الدَّرْبِ المهجورْ،
وبقايا أقمارٍ نفقَتْ في ساحاتِ الدَّهْشَةْ..
وأخيراً يتلألأُ وجهُكِ
يخرجُ منْ ليلِ الجوعْ،
يتأبَّطُ أحزانَ الشَّمْسِ
ودمعَ الأشجارِ
وشوقَ النَّجْماتْ..
فَلْتُشْرِقْ يا قمرَ العشقِ
وقنديلَ الثَّورةِ،
وَلْتَشْهَرْ سيفَ الحبِّ
فَعُمّالُ (الجَوْفِ) على جمرِ الفاقةِ
ينتظرونَ الإبحارَ،
وَصَيّادو (سُوْقَطْرَةَ)
ينتظرونَ الأجنحةَ الحمراءْ.
– 5 –
عشقاً إنسانيّاً صارَ الحبُّ العربي
عشقاً عربيّاً صارَ الحبُّ الإنساني
عربيّاً
إنسانيّاً
صارَ العشقُ النّابتُ في أرضي
الطّالعُ منْ ليلِ الجوعْ،
في يَدِهِ وردُ الشَّرْقِ،
وفي عينيهِ هدوءُ النهرِ
وَعُمْقُ البحرِ،
ولونُ سماءِ الصيفِ القَمَرِيّةْ.
9 سبتمبر 1975م
*****
و في قصيدة أخرى للمقالح بعنوان ( عاش الشَّعْب ) يتغنى بعبقرية هذا الشعب عاشق الحرية فيقول فيها :
– 1 –
وثأرْتِ يا (صنعا)، رفعْتِ رؤوسَـنا بعدَ انكسارْ
أخرجْتِ منْ ظلمـاتِكِ الحُبْلَى أعاصيرَ النَّهارْ
وولـدْتِ هذا اليـومَ بعدَ ترقُّبٍ لَكِ وانتظارْ
فأتى كما شاءتْ إراداتُ المنى، وهجَ انتصارْ
يوماً نقدِّسُهُ، ونرضِعُـهُ أمانيـنا الكبارْ
يوماً سيبقى خالدَ السّاعـاتِ، موصولَ الفَخارْ.
– 2 –
سَلِمَتْ أياديهم بُناةُ الفَجْرِ، عُشّاقُ الكرامةْ
البـاذليـنَ نفوسَهم للهِ في (ليلِ القيامةْ)
وضعوا الرُّؤوسَ على الأكُفِّ، ومرَّغُوا وجهَ الإمامةْ
صنعوا ضُحَى (سبتمبرَ) الغالي لنهضتِنا علامةْ
خرجوا فلم تَيْبَسْ على أفواهِهم شمسُ ابتسامةْ
يتمرَّدُونَ على الظلامِ، ويبصقونَ هنا نظامَهْ.
– 3 –
أينَ القصورُ؟ تناثرَتْ رُعْباً، وألوانُ الرِّياشْ
أينَ الذينَ تألَّهُوا؟ سقطوا كما سقطَ الخُفاشْ
في نارِنا احترقوا، كما احترقَتْ على النارِ الفَراشْ
ماتَ الطُّغـاةُ الظالمـونَ، وشعبُنا المظلـومُ عاشْ.
——–
*من قصيدة طويلة ألقيت في المذياع يوم 29 سبتمبر 1962م ٠
**********
و يقول المقالح في قصيدة أخرى بعنوان ( العمر ) يلخص مسار تجربته مع الحياة :
كنتُ في شغفٍ أترقبها أن تجيءَ
-قصيدةُ عمري-
على شفقِ اللاّزورد
وساعةَ فاجأْتِني بحضوركِ
أدركتُ أنكِ أنتِ التي
انتظر القلبُ،
أنكِ أنتِ.. القصيدةْ.
* * *
جسدٌ دافئٌ كالنهار
وعينان صافيتان
تضيئان ليلَ الزمان
وليلَ المكان،
وفي لحظةٍ تكتبان على صفحةِ الروح
أَوَّلَ فصلٍ
لقصةِ حبٍ فريدةْ.
* * *
في ربيعٍ من العمر -عمريَ-
آليت ألاّ أحب،
وأن أترك القلب أبيضَ
يأخذه الشعر مني بعيداً
يطوف به في فضاءاتهِ الساحرات
ويلقي به خالياً
في الفيافي البعيدةْ .
* * *
وانتظرتُ، انتظرت
جلستُ بعينيينِ ذاويتينِ
على حافةِ العمر أَطلبها،
خاب حُلمُ انتظاري
كما خاب حُلمُ كثيرٍ من الشعراءِ
الذين على بُعْدِ فاصلةٍ من سماواتها
لمحوا طيفَها في الغيوم الشريدةْ.
* * *
ضاع عمري سدى
قبلها،
وتناثَر في كلماتٍ
على ورقٍ شاحبٍ
وكأضغاث أحلامٍ انكسرتْ لغتي
ونداءاتُ روحي
على صخرةٍ من وعودٍ بليدةْ .
* * *
فجأةً مثلما نجمةُ الصبح
شعشع في جسدي نورُها
وتلقّفها القلب في شغفٍ،
لم أكن أبداً أنا من صاغها،
إنه الله سبحانه
صاغها جسداً فاتناً
تنتشي في ربيعِ صباهُ مرايا جديدةْ.
* * *
قلت إن الذي كتب الأرضَ
والشمسَ والبحرَ
كان الذي كتب الجسدَ ا ٠
***
و ينتقل بنا المقالح في قصيدته التالية بعنوان ( الجائعون ) و التي ترمز لحالة الصراع و الثائرون و الدماء و الجائعون و انتظار الأمل مع ميلاد فجر جديد :
قصيدة (الحرب)
_________
أيها الجائعون
ابشروا
لن تجوعوا
فقد أذّن المتوضّون للحرب
وانهمرت في الشوارع والطرقات
شظايا الأناشيد،
هيا ابشروا
لن تجوعوا
كلوا من لحوم المدافع
من شحم دبابةٍ
لا تخافوا من الموت
فالموت أغنيةٌ عذبةٌ
والشهادة واجبةٌ
وهناك وراء القبور المغطاةِ
بالزهر مائدةٌ ،
لن تجوعوا
ولن تظمأوا بعدها أبدا.
* * *
أيها الجائعون
أقول لكم : آه …
معذرةً لم أجد ما أقول لكم
غير أن تصبروا
وإذا أفلس الصبر
في ردع صوت البطون
وإسكات ِ أحشائها
صابروا
انتظروا نعمةَ الحرب
فالحربُ قادمةٌ
وموائدها مثقلات
بما لم تروهُ
ولم تسمعوهُ
ولم تقرأوا مثله
في كتابْ .
* * *
أيها الجائعون
أصمدوا
واصبروا
وإذا أحرقَ البردُ
أجسادَ أطفالكم.
فأحرقوا كلمات الجرائد
والقنوات
وما دَبّجَ الخطباء ،
من الشعر والنثر
والحكمة المتوخّاة
تكفي وقوداً
لطبخ الكلام
وتشييد سورٍ سميكٍ
من التدفئة .
* * *
أيها الجائعون
أفيقوا…
ولا تصبروا
كل شيءٍ سيمضي
كما يشتهي الجوع
ليس كما يشتهي الجائعون
هكذا قالت القنواتُ
فلا تصبروا
واحذروا
ليستِ الحرب باباً لصبحٍ جديدٍ
كما يزعمون
ولكنها ظلمةً
أعيدوا السيوف لأغمادِها،
إنها الحرب بابٌ إلى الموت
بابٌ لقتل المشاعر
بابٌ إلى المحرقةْ.
* * *
ليستِ الحربُ حلاً … إذاً
ليست الحرب باباً إلى الله
باباً إلى جنةٍ
في اتساع السماوات
والأرض ،
لا بـِدمِ الأخوين اللدودين
يكتبُ شعبٌ وثيقتُهُ
للبقاء
وللانتماء إلى العصر
ترسمها جثثُ الأبرياء
يوقّعها الظافرون الأشاوس
أو لا يوقعها غير غربانِ قابيل
بعد انقراض الرجال
وموت شهود القبيلةْ.
***
ونختم للمقالح برائعته تحت عنوان ( البكاء بين يدي صنعاء ) و هى من عيون الشعر العربي عن المدن و لا سيما صنعاء ذات التاريخ و الحضارة حيث يقول فيها :
للحبِّ فوقَ رمالِها طللُ
منْ حولِهِ نبكي، ونحتفلُ
نقشتْهُ كَفُّ الشوقِ في دَمِنا
وطوتْهُ في أعماقِنا المقلُ
هوَ حُلْمُنا الباقي، ومعبدُنا
وصلاتُنـا، والحبُّ والغزلُ
منْ أجْلِها تصفو مودَّتُنا
ولِحُـبِّـهـا نشقى، ونقتتلُ
شابتْ مآسينا، وفرحتُنا
وتمزَّقَتْ في دربِها الدُّولُ
وشبابُها الرَّيّانُ ما برحَتْ
أزهارُهُ تندى، وتكتملُ
صنعاءُ يا أنشودةً عبقَتْ
وأجادَ في إنشادِها الأزلُ
إنْ أبعدتْني عنكِ عاصفةٌ
وتفرَّقَتْ ما بينَنا السُّبُلُ
فأنا على حُبّي، وفي خجلٍ
روحي إلى عينيكِ تبتهلُ
ألقاكِ منتصراً ومنكسراً
وعلى جناحِ الشعرِ أرتحلُ
يجتاحُني شوقٌ، ويسحقُني
شوقٌ، وفي التَّذْكـارِ أشتعلُ
ما نجمةٌ في الأفْقِ عابرةٌ
إلاّ هتفتُ بها: متى نصلُ؟
ومتى على الكفَّينِ راحمةً
هذا الغريبَ الدّارِ ينتقلُ
(نُقُمٌ) تُلَوِّحُ لي منائرُهُ
عَبْرَ البحارِ، وتومئُ الشُّعَلُ
إني، إلى صنـعـاءَ، يحملُني
وجهُ النهارِ، وترحلُ الأُصُلُ
وأعودُ طفلاً كلَّما ذُكِرَتْ
ويغيبُ وَسْطَ حريقيَ الرَّجُلُ
فمتى تظـلِّلُـني مـآذنُهـا،
ويضيءُ منْ أحضانِها الجبلُ؟
لم يبقَ في الأيّامِ منْ سعةٍ
حانَ الرَّحيلُ، ونوَّرَ الأجلُ
أأموتُ يا صنعايَ مغترباً
لا الدَّمعُ يدنيني، ولا القُبَلُ؟
أوراقُ أيّـامـي، أبعثـرُهـا
وأعيشُ.. لا يأسٌ ولا أملُ
يا أمَّنا جاعتْ مواسِمُنا
واستبطأَتْ أمطـارَها اليمـنُ
أكلَ الذُّبابُ جنينَ فرحتِها
وسَطا على أشبالِها الوهنُ
كانتْ تظنُّ الصيفَ قادمةً
أمطارُهُ، والخِصْبُ، واللَّبَنُ
لكنّها وا هَوْلَ ما شَهِدَتْ!
لا الخيلُ تعصمُها، ولا القُنَنُ
غرقَتْ بِوَحْلِ العمرِ، وانطفأَتْ
في ليلِها الشُّطْآنُ، والسُّفُـنُ
واستسلمَتْ للجدبِ لا (كَرِبٌ)
يروي مواسِمَـها، ولا (يزنُ)
كانتْ تخافُ الموتَ منْ (حسنٍ)
فأماتَها منْ خوفِها (حسنُ)
وتمرَّدَتْ ليلاً على وثنٍ
فاغتالَها في فَجْرِها وثنُ
أبكي على أيّامِنا اندثـرَتْ
أشواقُها، والحُلْمُ، والمدُنُ
ويقـولُ لي صحبي: كفى حَزَناً
ماذا يفيدُ الدمعُ والحَزَنُ؟
أألامُ يا أمّاهُ إنْ يبسَتْ
عيني، وأثمرَ حولَها الشجنُ؟
أبكي شباباً جَلَّ مصرعُهم
في ليلةٍ وضّاحةٍ دفنوا
رحلوا بلا زادٍ، بلا كفنٍ
أجفانُنا وقلوبُنا الكفنُ
سأظلُّ أبكيهم، ويغسلُهم
عَبْرَ التغرُّبِ دمعيَ الهتِنُ
حتى تَضِجَّ الأرضُ ثائرةً
ويصيحَ منْ أعماقِها الوطنُ
لَبَّيْكِ يا (صنعاءُ) نحنُ هنا
لا الموتُ يدركُنـا، ولا الزمنُ
فُرْسانُ عصرِ الشمسِ ما بَرِحَتْ
رايـاتُهـم تدنـو، وتقترنُ
أرأيتِهم؟ في الأرضِ منْ دَمِهم
عَبَقٌ، وفي أجفانِها وَسَنُ
وسماسرُ البترولِ تصلبُهم
أحلامُنا الجوعى، وتمتهنُ
خانوا فما ربحتْ تجارتُهم
ومشتْ على أشلائِهم (عَدَنُ)
للغادرينَ النارُ تحصدُهم
ولكِ الخلودُ الخِصْبُ يا يَمَنُ. ٠
رحم الله الشاعر و المفكر الكبير اليمني و العربي الأصيل دكتور عبد العزيز المقالح و سيظل ذكره ينبوعا متدفقا في سجل الخالدين ٠



