أخبار

وراء الغيم يكمن الضياء

وراء الغيم يكمن الضياء

وراء الغيم يكمن الضياء

 

بقلم الكاتبة نجوي رضوان

(نجاح رضوان)

 

في سكون الليل، حينما يهدأُ ضجيجُ العالم وتستيقظُ في أعماق النفس صرخاتُ الأسئلة المكتومة، يبرزُ ذلك السؤالُ الحارق الذي طالما ترددت أصداؤه في ردهات الروح: “لماذا أنا؟”. لماذا أنا الذي أقفُ دوماً في مهب الريح؟ ولماذا يتكررُ عليّ مشهدُ سقوطِ الأحلام كأوراقِ الخريف اليابسة، بينما يمرُّ الآخرون في دروبٍ مفروشةٍ بالورد؟ هو تساؤلٌ مرير، ينبع من قلبٍ أرهقته الدروب، وأثقلت كاهلَهُ خيباتُ الأمل المتلاحقة.

لقد اعتدتُ أن أرى الخيبة تلوح في الأفق، تتشكلُ كغيمةٍ سوداء تسرقُ مني وهج النجاح في لحظاته الأخيرة. وفي كل مرةٍ كان الارتطامُ بالأرض موجعاً، يترك ندوباً لا يراها غيري. لكنّ المعجزة الحقيقية لم تكن في الخيبة ذاتها، بل في تلك القوة الخفية التي تدفعني دوماً للمقاومة. إنها تلك القدرة العجيبة على لملمة الشتات، وجمع الشظايا، والوقوف مجدداً على أقدامٍ دامية، لكنها ثابتة.

إنَّ القيام بعد العثرة ليس مجرد حركةٍ جسدية، بل هو “فعلُ إيمان” متجدد؛ إيمانٌ بأن الانكسار ليس هو النهاية، وأنَّ في جعبة الحياة فصولاً لم تُقرأ بعد. إنني في كل مرةٍ أقوم فيها، أصقلُ معدني في أتون التجربة، حتى غدوتُ كالفولاذ الذي لا يزيده الطرق إلا صلابةً وقوة.

إنَّ العقل القاصر قد يرى في توالي الصعاب ظلماً، لكنَّ البصيرة النافذة تدرك أنَّ الله لا يضعُ أحمالاً ثقيلة إلا على أكتافٍ قوية. إن “لماذا أنا” التي أرددها في لحظات الضعف، يجب أن تتحول إلى “شكراً لأنني أنا”؛ لأنني صرتُ أكثر عمقاً، وأكثر رِقّةً في فهم آلام الآخرين، وأكثر حكمةً في قراءة ما وراء الأحداث.

ربما يخبئُ القدرُ لي ما لا تستطيع مخيلتي المنهكة تصوره الآن. فكم من حلمٍ حُرمنا منه، لنكتشف لاحقاً أنه كان فخاً نجوّنا منه بفضل تلك الخيبة! وكم من بابٍ أُغلق في وجوهنا، ليقودنا الله إلى طريقٍ لم نكن لنعبره لولا ضيق المسالك الأولى. إنَّ الذي يخبئُه الغيب هو “الأفضل” دائماً، لا بالمعايير التي نتمناها نحن، بل بالمعايير التي تليقُ بمستقبلنا وبناءِ أرواحنا.

إنني اليوم، وأنا أقاومُ من جديد، أضعُ يدي على قلبي وأهمس له: “اصبر، فإنَّ ما بعد الضيق إلا الفرج، وما بعد العتمة إلا ضياءٌ يبهر الأبصار”. الخيبات ليست إلا جنداً من جنود القدر، تهدمُ فينا التوقعات الزائفة لتبني فينا الثقة المطلقة بالخالق.

لن أكفّ عن المحاولة، ولن أسمح لليأس أن يتسلل إلى المحراب الذي أقدس فيه آمالي. سأقومُ في كل مرة، ليس لأنني بطلٌ لا يُهزم، بل لأنني أثقُ يقيناً بأنَّ الله لا يتركُ يداً امتدت إليه بصدق، وبأنَّ ما ينتظرني خلف هذا الصبر الجميل هو عطاءٌ ينسيني مرارة

كل ما مضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى