الأسبوع العربيقرأت لكقراءة نقديةقصة قصيرةقصص ورواياتمجلة الأديب العربي

وراء آفاق الإبصار: ترتيلة الذات المحجوبة

وراء آفاق الإبصار: ترتيلة الذات المحجوبة

قلم/وائل عبد السيد

عند تخوم الوعي، حيث يذوب صخب الحياة في سكون الكون، تمتد مساحة عصية على الاقتحام. في ذلك المدى، تلتقي الأرواح بالكلمات التي ظلت حبيسة الأنفاس ولم تلامس حبر الورق. نحن نعيش في عصرٍ يفتنه البريق، لكن الجوهر دائماً ينحاز “للخفاء”؛ فالحياة تبدأ في عتمة التربة، والعظمة تولد في رحم الصمت، وأصدق المشاعر هي تلك التي نعجز عن قولها، فتبقى كبخورٍ معتقٍ في محراب القلب.

أنا الذي صاغَ من صمتِ الدجى لغَةً
لا الحرفُ يحملُها.. ولا المدى يَجِدُ
بنيتُ في غيهبِ الأوهامِ صومعةً
فيها أصلي.. وفي جدرانِها أرِدُ

يُبصر العالم منا السطح فقط؛ تلك الملامح الهادئة والكلمات المرتبة، لكن أحداً لا يشعر بالهزات الارتدادية التي تزلزل أعماقنا عند هبوب ذكرى عابرة، ولا يلمس الندوب المحفورة على جدران الروح. نحن أشبه بمخطوطات سرية، نحمل قصصاً لو كُشفت لغيرت ملامح الوجود، لكننا نختار المضي بها في صمتٍ مهيب، كالمحيطات التي تخفي كنوزها في قيعان سحيقة.

مقالات ذات صلة
كم من ضجيجٍ وراءَ الصمتِ أكتُمُهُ
وكم من الصبرِ في الأضلاعِ يرتعِدُ
يمرُّ بي الناسُ.. والأحلامُ ساكنةٌ
خلفَ العيونِ.. فلا بَوحٌ ولا سَنَدُ

إن نبل الإنسان يكمن في “مخبئه السري”، في تلك الأحلام التي لم يكتب لها النور، والدموع التي استقرت في المحاجر كبرياءً لا ضعفاً. نحن نسكن في مدنٍ شيدناها من خيال، نقتات على غيابٍ لا يدركه غيرنا، ونحكم ممالك في أرواحنا لا جمهور لها ولا تيجان. عظمة القصيدة الحقيقية تسكن دائماً في الفراغ الأبيض بين السطور، لا في الحروف نفسها.

يا قارئَ الغيبِ في عينيَّ مَسكنُهُ
هذا المدى ضاقَ.. والأسرارُ تَتَّقدُ
لي في الزوايا حكايا لا يطولُ لُها
ضوءُ النهارِ.. ولا في طيِّها جَمَدُ

الختام، صُن سرّك كما يصون المحار لؤلؤه. اترك في روحك زاوية مظلمة لا يطأها غريب، فجاذبيتك في غموضك، وقوتك في ما تخفيه. هذه الكلمات ليست إلا عهداً سرياً، ولدت لتقرأها بعينك، وتستقر في وجدانك كأثرٍ لا يمحوه الزمن.

عند تخوم الوعي، حيث يذوب
وراء آفاق الإبصار: ترتيلة الذات المحجوبة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى