
بقلم /محمود جنيدى
مقدمة
أثار الإعلان عن مقترح تعيين رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير على رأس سلطة انتقالية لإدارة غزة جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية. وبينما يرى البعض أن هذه الخطوة قد تُسهم في إعادة إعمار القطاع وتحقيق استقرار مؤقت، يرى آخرون أنها ليست سوى غطاء سياسي لإعادة إنتاج وصاية أجنبية على الأرض الفلسطينية، بما يحمله ذلك من دلالات استعمارية مرفوضة.
بلير… الرجل المثير للجدل في الشرق الأوسط
عُرف توني بلير بدوره البارز في حرب العراق 2003 إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما جعله في نظر الكثيرين رمزًا للتدخل الغربي العسكري والسياسي في المنطقة.
خدم كمبعوث للجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط، لكن فترته لم تحقق أي اختراق حقيقي في مسار القضية الفلسطينية، بل زادت حوله علامات الاستفهام.
جوهر المقترح
المشروع المقترح يقوم على تشكيل سلطة دولية انتقالية لغزة، يقودها بلير، وتضم ممثلين فلسطينيين وشخصيات دولية، إلى جانب قوة أمنية لمراقبة الاستقرار ومنع عودة حماس إلى الحكم.
الهدف المعلن: إعادة الإعمار وتوفير إدارة مدنية مؤقتة.
الهدف غير المعلن: إقصاء حماس بشكل كامل، وإعادة ترتيب أوراق السلطة الفلسطينية بما يتناسب مع الرؤية الأمريكية–الإسرائيلية.
لماذا يُنظر إليه كإدارة استعمارية؟
1. غياب الشرعية الشعبية: لم يُطرح المشروع على الشعب الفلسطيني، ولم يحصل على موافقة رسمية من ممثليه الشرعيين.
2. إدارة خارجية مباشرة: وجود شخصية غربية تقود الحكم يعيد للأذهان صور الانتداب البريطاني والوصاية الدولية.
3. تغييب القرار الوطني: الفلسطينيون قد يجدون أنفسهم أمام سلطة فوقية تُدار من الخارج، بلا مساءلة ولا مشاركة سياسية.
4. ارتباط بلير بمشروع غربي: شخصية بلير محمّلة بإرث تدخلات عسكرية في المنطقة، مما يزيد من الشكوك حول نواياه.
التداعيات المحتملة على الشرق الأوسط
فلسطينيًا: انقسام داخلي جديد بين مؤيد للسلطة الانتقالية ومعارض لها، مع تصاعد المقاومة المسلحة ضد أي وجود أجنبي.
عربيًا: تحفظ مصري–أردني–سعودي على أي خطوة تنتقص من السيادة الفلسطينية، مقابل دعم إماراتي محتمل بحجة محاربة الإرهاب وإقصاء حماس.
إقليميًا: رفض قاطع من تركيا وإيران، واعتبار الخطوة جزءًا من مشروع غربي لتصفية القضية الفلسطينية.
دوليًا: الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة قد يتعاملان بحذر، مطالبين بإشراف أممي وضمانات لحقوق الإنسان.
قراءة ختامية
قد يبدو المقترح ظاهريًا مبادرة إنسانية لإعادة إعمار غزة، لكنه في جوهره إعادة إنتاج لسياسات الوصاية الأجنبية التي عرفتها المنطقة في مراحل مختلفة من تاريخها. وإذا ما فُرض دون توافق فلسطيني وعربي حقيقي، فإنه سيفتح الباب أمام مقاومة جديدة تُشبه مقاومة الاحتلال، وسيعمّق الأزمة بدلًا من حلها.
الخلاصة: تعيين توني بلير ليس مشروع إنقاذ بقدر ما هو مشروع لإعادة ترتيب غزة وفق أجندة خارجية، وهو ما يجعله أقرب إلى إدارة استعمارية جديدة قد ترفضها الشعوب حتى لو تبنّتها بعض القوى الكبرى.





