أخبار

نكتب حيث يولد الألم

نكتب حيث يولد الألم

نكتب حيث يولد الألم
بقلم الكاتبة نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​من أيّ الأغوار السحيقة نستقي مدادنا؟ ومن أيّ الزوايا المنسية في ردهات الروح ينبثق هذا السيل من الكلمات؟ إننا، في الحقيقة، لا نكتب من ترف الفراغ، بل نكتب من تلك البقاع النائية التي لا تطؤها قدم بشر، ولا تصل إليها عين راصد. نكتب من غياهب الجرح الذي لم يجد يداً تضمد غُرزه، فبقي مفتوحاً على المدى، ينزف بصمتٍ لا يسمعه إلا الورق. نكتب من تلك الدمعة الحارقة التي تجرعنا مرارتها في غصة مكتومة، وكتمنا أنفاسها خلف جفوننا كي لا يلمح انكسارنا أحد، وكي لا يُشاع عن ضعفنا خبر.
​نحن أبناء الليالي الصامتة، تلك التي تضج في أعماقنا بصرخاتٍ مدوية، صرخات أردنا لها أن تهز أركان الكون وتشق حجاب السكون، لكننا لم نجد أذناً صاغية ولا قلباً يحتوي ذلك الضجيج، فارتد الصدى إلينا ليتحول إلى حروف ترتجف على الورق. إن كتاباتنا هي ابنة الخسارات المتراكمة التي لم يشعر بها أحد، والوداع المر الذي وقع كالصاعقة ولم تستوعب عقولنا مرارته بعد، هي صدى ذلك الحب الذي بُتر قبل أن يكتمل، فنبتت مكانه غابة من الأسى.
​نكتب لأن الذاكرة في صدورنا وحشٌ كاسر يأبى أن ينام، ولأن الحنين يسكننا كقدرٍ محتوم لا ينوي الرحيل ولا يعرف التعب. نكتب كفعلِ مقاومةٍ أخيرة؛ لأننا ندرك تمام الإدراك أننا لو لم نفعل، لتهشمت أرواحنا كما يتهشم الزجاج تحت وطأة الثقل. الورق هو ملاذنا الوحيد، فهو القاضي الذي لا يحاكمنا، والرفيق الذي لا يستجوبنا، ولا يلقي علينا أسئلة اللوم المعتادة: “لماذا تتألم؟” أو “لماذا كل هذا الحزن؟”. بل إنه، في أسمى تجليات كرمه، يشرع لنا ذراعيه البيضاء ويهمس في روعنا”اكتب.. أفرغ ما في جعبتك”، حتى وإن كانت كلماتك تقطر دماً، وحتى وإن كانت الحروف تبكي عجزاً ونحيباً.
​نلوذ بالكتابة حين يضيق بنا فضاء الواقع، وحين تفتقر الكلمات في أفواهنا إلى من يفهم مقاصدها، وحين تضيق بنا الأرض بما رحبت ونشعر بالاختناق يسلبنا أنفاسنا. عندها، نفرّ إلى الحروف، لا لنكتب فحسب، بل لنعيد ترتيب فوضى أرواحنا المبعثرة، ولنلملم شتات أنفسنا التي مزقتها الأيام.
​إننا نكتب من “هناك”، من تلك النقطة الغائرة في الأعماق، من حيث تضيق الحياة وتختنق الصدور بما عجز اللسان عن وصفه. نكتب من وجعٍ عالقٍ في حناجرنا كغصةٍ لا تزول، ومن ذكرياتٍ موجعة تأبى الأفول، ومن صمتٍ طال أمده حتى صار حمله أثقل من الجبال، وأكثر إيلاماً من صريح الكلام. نكتب في نهاية المطاف لننقذ ما تبقى منا من الانهيار، ولنستبقي في أعماقنا بصيصاً من نور، ففي هذا العالم الموحش، يبقى الحرف وحده هو الصدر الذي يحتملنا، وهو المرفأ الذي يأوي سفننا المحطمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى