الدول العربية و الشرق الأوسطالسياسية والعسكريةتقاريرسياسةشئون عربية ودوليه
أخر الأخبار

مصر والاتحاد الأوروبي: دبلوماسية المصالح ورسائل غزة

 

مصر والاتحاد الأوروبي: دبلوماسية المصالح ورسائل غزة

كتب هويدا حماد

القاهرة بين تثبيت الشراكة الأوروبية والتموضع كقائد إقليمي

في أجواء الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تتحول نيويورك إلى مسرح عالمي لصياغة السياسات، جاء لقاء وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي بالمفوضة الأوروبية لإدارة الأزمات حاجة لحبيب، ليشكل محطة مهمة في مسار العلاقات المصرية – الأوروبية، ويكشف عن الدور المتنامي لمصر في التعامل مع القضايا الإقليمية، وعلى رأسها مأساة قطاع غزة.

أولاً: شراكة مصر – أوروبا.. من المصالح إلى الاستراتيجية

لم يعد الحديث عن العلاقات المصرية – الأوروبية مجرد تبادل مصالح اقتصادية أو تعاون محدود، بل تحول إلى إطار أوسع منذ الإعلان في مارس 2024 عن “الشراكة الاستراتيجية والشاملة”. هذا التطور لم يأت من فراغ، بل جاء نتيجة إدراك متبادل لأهمية التعاون في ملفات متعددة تشمل:

الطاقة: مع بروز مصر كمركز إقليمي للغاز الطبيعي.

الهجرة: حيث تلعب القاهرة دورًا محوريًا في إدارة ملف الهجرة غير النظامية نحو أوروبا.

الأمن الإقليمي: باعتبارها قوة إقليمية لها ثقل سياسي وعسكري.

الاستثمار والتنمية: إذ تمثل مصر سوقًا واسعة وبوابة للأسواق الإفريقية.

إشارة الوزير عبد العاطي إلى “محاور الشراكة الست” في لقائه بالمفوضة الأوروبية، حملت دلالة مهمة: أن مصر تعتبر العلاقة مع الاتحاد الأوروبي خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد، وليس مجرد تنسيق ظرفي يرتبط بالأزمات.

ثانيًا: غزة.. الكارثة الإنسانية في قلب الحوار

رغم أن اللقاء جرى في سياق ثنائي، فإن الملف الأبرز كان غزة. وهنا لعبت القاهرة دورًا مزدوجًا:

1. نقل الصورة الكارثية: الوزير تحدث عن الوضع الإنساني الذي وصل إلى حد المجاعة، ليضع أوروبا أمام مسؤوليتها المباشرة.

2. تحميل الاتحاد الأوروبي المسؤولية: مصر شددت على أن القيم التي يرفعها الاتحاد – القانون الدولي والقانون الإنساني – تُختبر على أرض غزة، وأن المطلوب خطوات جادة للضغط على إسرائيل، لا مجرد بيانات تضامن.

هذا الموقف يعكس استراتيجية مصر في التعامل مع الأزمة: إبراز البعد الإنساني كمدخل سياسي لإلزام القوى الدولية بمسؤولياتها.

ثالثًا: مصر كوسيط مسؤول

على جانب آخر، حرص الوزير على تسليط الضوء على الجهود المصرية المستمرة لإدخال المساعدات الإنسانية للقطاع. هذه الرسالة تحمل أكثر من معنى:

مصر تقدم نفسها كـ”وسيط موثوق” يتعامل بمسؤولية مع الأزمة.

القاهرة تُظهر قدرتها على إدارة الميدان الإنساني المعقد، رغم العقبات.

تعزيز الصورة الدولية لمصر باعتبارها الطرف الذي يوازن بين المصالح الإنسانية والسياسية.

هذا البعد مهم للغاية، لأنه يمنح مصر شرعية دولية إضافية في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالقطاع.

رابعًا: ما بعد الحرب.. تحضير مبكر لمؤتمر إعادة الإعمار

الجانب الأكثر لفتًا في اللقاء كان ما أعلنه الوزير عن الترتيبات الجارية لاستضافة مصر “المؤتمر الدولي للتعافي المبكر وإعادة الإعمار” فور وقف إطلاق النار.

هذه الخطوة ليست مجرد تحرك تنظيمي، بل تعكس رؤية استراتيجية مصرية تقوم على:

الانتقال من إدارة الأزمة إلى قيادة ما بعد الأزمة.

حجز موقع متقدم لمصر في معادلة “من سيدير عملية إعادة الإعمار”.

ربط الاتحاد الأوروبي والمانحين مبكرًا بهذا الدور، لضمان التمويل والدعم السياسي.

وبذلك، تسعى القاهرة إلى تثبيت نفسها كـ”قائد إقليمي” لا يكتفي بالوساطة أو الإغاثة، بل يقود مرحلة إعادة البناء وصياغة المستقبل.

خامسًا: قراءة بين السطور

إذا تأملنا البيان الصادر عن وزارة الخارجية، يمكن استخلاص عدة رسائل غير مباشرة:

مصر توازن بين لغة التعاون الإيجابية مع الاتحاد الأوروبي، وبين ضغط دبلوماسي لحمله على خطوات عملية تجاه إسرائيل.

إبراز الكارثة الإنسانية في غزة لم يكن فقط لاعتبارات أخلاقية، بل أيضًا لاستخدام البعد الإنساني كأداة ضغط سياسي.

مصر تتحرك وفق استراتيجية “متعددة المستويات”:

شراكة استراتيجية مع أوروبا.

مسؤولية إنسانية في غزة.

قيادة مستقبلية لمرحلة إعادة الإعمار.

سادسًا: الاتحاد الأوروبي بين التردد وتعدد المواقف

رغم وحدة الخطاب الأوروبي حول “أهمية احترام القانون الدولي”، إلا أن المواقف العملية لدوله تجاه غزة تكشف عن تباينات واضحة:

ألمانيا: ركزت منذ بداية الحرب على “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، وترددت كثيرًا في ممارسة ضغوط حقيقية على تل أبيب، وهو ما جعل موقفها أقرب إلى الانحياز السياسي منه إلى الحياد.

فرنسا: حاولت الموازنة بين دعم إسرائيل والحديث عن حماية المدنيين، لكنها لم تتخذ خطوات ملموسة تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية.

إسبانيا وبلجيكا وأيرلندا: كانت أكثر وضوحًا في انتقاد السياسات الإسرائيلية، ودعت لوقف إطلاق النار بشكل مباشر.

المفوضية الأوروبية: تسعى إلى صياغة خطاب توافقي يراعي حساسية مواقف الدول الأعضاء، وهو ما يضعف قدرة الاتحاد على التحرك الموحد.

في هذا السياق، يكتسب الموقف المصري أهمية مضاعفة. فبينما تتردد العواصم الأوروبية بين لغة الإدانة والدعم، تقدم القاهرة نفسها كطرف يمتلك القدرة على الفعل المباشر: إدخال مساعدات، تنظيم مؤتمر إعادة إعمار، وممارسة ضغط سياسي عبر القنوات الدبلوماسية.

سابعًا: مصر كجسر بين أوروبا والمنطقة

اللقاء في نيويورك يوضح أن مصر تحاول أن تكون الجسر الذي يربط الاتحاد الأوروبي بالشرق الأوسط.

بالنسبة لأوروبا: القاهرة شريك ضروري في ملفات الهجرة، الطاقة، والأمن.

بالنسبة للمنطقة: مصر تحاول أن تثبت أنها ليست مجرد دولة مجاورة لغزة، بل فاعل إقليمي يقود التوازنات.

وبذلك، فإن الدور المصري يكمل حالة العجز الأوروبي، ويمنح القاهرة قدرة أكبر على التفاوض من موقع قوة.

مصر بين المبادئ والبراجماتية

تكشف قراءة هذا اللقاء عن أن مصر تتحرك وفق معادلة دقيقة:

فهي تستفيد من تباين المواقف الأوروبية لتعزيز موقعها كطرف موحد قادر على التعامل مع جميع العواصم.

وتستخدم البعد الإنساني في غزة كأداة ضغط أخلاقية وسياسية على الاتحاد الأوروبي.

وفي الوقت ذاته، تُعد نفسها لدور قيادي في مرحلة إعادة الإعمار، وهو ما سيمنحها أوراقًا اقتصادية وسياسية جديدة.

في النهاية، يظهر أن مصر لا تكتفي بأن تكون جزءًا من “إدارة الأزمة”، بل تسعى إلى أن تكون مركز صياغة الحلول، لتجمع بين خطاب المبادئ الإنسانية وحسابات البراغماتية السياسية.

دبلوماسية بثلاثة أبعاد

لقاء نيويورك لم يكن لقاء بروتوكوليًا عابرًا، بل محطة تكثف جوهر السياسة الخارجية المصرية في هذه المرحلة. فمن خلاله، تسعى القاهرة لتثبيت ثلاثية متوازنة:

1. شراكة استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي تقوم على المصالح المتبادلة.

2. دور إنساني مسؤول في التعامل مع الكارثة في غزة.

3. تحضير مبكر لدور قيادي في مرحلة إعادة الإعمار.

وبهذا، تواصل مصر تقديم نفسها للعالم كفاعل إقليمي مركزي يجمع بين الدبلوماسية الإنسانية والحسابات الاستراتيجية، في وقت تتشابك فيه الأزمات وتتقاطع المصالح على المسرح الدولي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى