
متاهات الغربة.. بين قفر الرمال وصقيع الأرواح
قلم:وائل عبدالسيد
أولاً: ضياع الجسد في سكون الفلاة
يبدأ التيه في الصحراء كخيطٍ رفيع من القلق، ثم يتحول إلى بحرٍ متلاطم من الرمال التي لا تعرف الرحمة. هناك، حيث يمتد الأفق كلوحةٍ صامتة، يجد الإنسان نفسه وحيداً أمام عظمة الخلاء. في الصحراء، تغيب العلامات وتتشابه التلال، ويصبح كل اتجاهٍ هو المجهول بعينه. الشمس تحرق اليقين، والريح تذرو آثار الأقدام وكأنها تمحو وجودك من ذاكرة الأرض. هذا التيه جسديٌّ في مقامه الأول؛ هو صراع مع العطش، ومع السراب الذي يراقص البصر بوعود كاذبة عن الماء والظل. لكن رغم قسوته، يظل تيه الصحراء صادقاً، فالعدو هناك واضح، والصمت يمنحك فرصة نادرة لتسمع دقات قلبك وتواجه حقيقة ضعفك البشري.
ثانياً: ضياع الروح في صخب الزحام
على الجانب الآخر، يبرز نوعٌ أشد ضراوة من الضياع، وهو التيه وسط الحشود وبين الوجوه. هنا، لا تشكو من ندرة الناس، بل من ندرة “الإنسان” فيهم. أن تكون تائهاً بين البشر يعني أن تعيش في مدينة مكتظة لكنك تسكن زنزانة انفرادية داخل صدرك. هو الشعور بأنك تتحدث بكلماتٍ صادقة فلا تجد لها صدى، وأن تبحث عن يدٍ دافئة فلا تصطدم إلا ببرود المشاعر وجفاء المصالح. في غابة الإسمنت، تضيع الملامح وتتحول العناوين إلى أرقام، ويصبح الفرد مجرد عابر سبيل في حياة الآخرين. هذا التيه هو “غربة الروح”؛ حيث تبحث عن سكنٍ معنوي وانتماءٍ حقيقي فلا تجد سوى جدران صماء من التجاهل، مما يجعل المرء يشعر بالوحدة وهو في قمة الازدحام.
ثالثاً: فلسفة التيه والمصير الواحد
إن المفارقة الكبرى تكمن في التشابه المذهل بين الرمل والوجوه؛ فكلاهما قد يغدر بك، وكلاهما قد يبتلع أثرك. تائه الصحراء يرجو نبع ماء، وتائه البشر يرجو نبع صدق. في الصحراء، قد يهديك نجمٌ في السماء إلى طريق الخلاص، أما في زحام البشر، فلا يهديك سوى نورٍ ينبع من داخلك. إن الغربة الحقيقية ليست في المسافات التي تقطعها أقدامنا، بل في المسافات التي تفصل أرواحنا عمن حولنا. وفي نهاية الرحلة، نكتشف أن التيه الأكبر ليس في فقدان الطريق، بل في فقدان الذات وسط عالمٍ واسع وموحش، سواء كان هذا العالم رمالاً ذهبية أو وجوهاً عابرة لا تترك أثراً.





