الأسبوع العربي

ما كان العالم يحذر منه وقع

 

كتب محمود جنيدى

مقالات ذات صلة

غزة تتجمد تحت المطر وخطة التقسيم تعود إلى الواجهة مرة أخرى

لم يعد ما يحدث فى غزة مجرد أزمة عابرة أو جولة جديدة من جولات الصراع بل تحول إلى لحظة فارقة سقطت فيها كل التحذيرات القديمة دفعة واحدة العالم كان ينبه من الوصول إلى نقطة لا يمكن الرجوع منها واليوم أصبحت غزة شاهدة على هذا الانهيار الكامل مدينة تحاصرها النيران وتطاردها السماء بمطر لا يحمل بردا فقط بل يحمل إحساسا قاسيا بالتجمد أمام واقع لا يتحرك

تسير غزة فى شتاء هذا العام وكأنها تتجمد من الداخل ليس فقط من البرد الذى ينهش خيام المهجرين ولكن من السكون الدولى الذى يشبه صقيعا سياسيا توقف عند حدود الصراع ورفض أن يتقدم خطوة واحدة نحو وقف الإنتهاكات وخرق الهدنة وبينما يبحث الأهالى عن بقايا دفء تختفى عنهم أبسط مقومات الحياة يظهر على السطح شبح الخطة الأمريكية من جديد وكأن الزمن يعيد نفسه بطريقة أكثر قسوة

المرحلة الثانية من خطة ترامب عودة على أنقاض

بعد التعثر الطويل تعود المرحلة الثانية من خطة ترامب إلى الواجهة هذه المرحلة التى كانت نظرية سابقة أصبحت الآن واقعا يفرض نفسه دون إعلان رسمى لكنها تسير بخطوات هادئة داخل المشهد فإعادة ترتيب غزة على أساس فصل المناطق وربط الإعمار بشرط وجود سيطرة عسكرية جديدة يعيد إنتاج الخطة نفسها لكن بطريقة أكثر التفافا

فى جوهر المرحلة الثانية تعتمد الخطة على ثلاثة محاور
محور أمنى يخلق مناطق تماس تتحرك فيها قوات الاحتلال تحت غطاء منع السلاح
محور إدارى يفصل إدارة غزة إلى رقعتين واحدة تحت رقابة أمنية كاملة وأخرى محاصرة بشروط التمويل
ومحور إعادة إعمار مشروط لا يتحرك إلا حيث توجد قوات الاحتلال
وهكذا يصبح الواقع على الأرض أقرب لصورة جاهزة كانت الخطة الأولى تبحث عنها دون أن تصرح

العالم يراقب هذا التحول دون قدرة حقيقية على التدخل فالخلافات الدولية تسحب من الملف أى فرصة لحل سياسى متماسك وكل طرف يبحث عن مصالحه الخاصة بينما يواصل المدنيون دفع الثمن الأكبر فى خيامهم وتحت مطر الشتاء القاسى

مصر صوت ثابت فى عاصفة مضطربة وعالم عربى صامت متخاذل

وسط هذا المشهد تبقى مصر الطرف الأكثر تمسكا برفض أى مسار يفتح الباب للتقسيم أو يفرض واقعا جديدا بالقوة مصر أعلنت بوضوح أن أمن غزة امتداد لأمنها وأن حل الأزمة لا يمكن أن يمر عبر تفريغ القطاع أو خلق حدود جديدة صامتة فى الظلام
وتواصل مصر تحركاتها على محورين
الأول دبلوماسى يضغط من أجل عدم تكرار الخروقات المتكررة للهدنة من الجانب الإسرائيلى وفتح جميع الممرات الإنسانية وإدخال كافة المساعدات اللازمة والتى تكفى إحتاجات أكثر من مليونى فلسطينى دون تحكم إسرائيلى داخل القطاع وتسريع إعادة الإعمار للتخفيف على أهل غزة وحمايتهم من سقيع المطر والشتاء
والثانى أمنى يرفض أى ترتيبات تغير طبيعة الحدود أو تسمح بفرض واقع يتعارض مع القانون الدولى ويمنع من تطبيق حل الدولتين على أرض الواقع

الدور المصرى اليوم ليس مجرد موقف بل محاولة حقيقية لجر العالم إلى طاولة حل لا يقوم على القوة بل على التفاهمات الشرعية التى تحمى حق الفلسطينيين فى أرضهم

إلى أين يتجه المشهد؟

إذا استمر الوضع الحالى فإن غزة ستظل تتجمد تحت المطر بينما تتقدم المرحلة الثانية من خطة ترامب على الأرض دون إعلان رسمى وقد يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام حدود جديدة وواقع سياسى أكثر قسوة
لكن هذا السيناريو ليس قدرا نهائيا فهناك مجموعة حلول يمكن أن توقف الانحدار وتعيد المشهد إلى مسار سياسى قابل للحياة

الحلول الممكنة

1 وقف الإنتهاكات والخروق المتكررة فورا
هو الركيزة الأساسية لأى تحرك سياسى فلا إعمار بدون أمان ولا مفاوضات تحت القصف

2 إعادة الإعمار دون شروط سياسية
أى ربط بين الإعمار والوجود العسكرى يعنى تكريس الانقسام يجب أن يكون الإعمار عملية إنسانية كاملة

3 تشكيل إدارة فلسطينية موحدة
وجود سلطة واحدة فى غزة والضفة هو السبيل الوحيد لإفشال كل خطط التقسيم

4 دور دولى ضاغط
على القوى الكبرى أن تخرج من حالة التجميد والصمت وأن تفرض آلية حقيقية تضمن تنفيذ القرارات الدولية

5 دعم المبادرة المصرية
الالتفاف خلف التحرك المصرى يعنى إنقاذ غزة من سيناريوهات كارثية ووقف تمدد الخطة الأمريكية بصورتها الجديدة التى تصب فى الصالح الإسرائيلى فقط

الخاتمة

ما كان العالم يحذر منه وقع وغزة اليوم تتجمد تحت المطر ليس بسبب الشتاء فقط بل بسبب برد السياسة القاسية لهذا العالم المتخاذل لكن الأبواب لم تغلق تماما وما زال بالإمكان دفع الأزمة إلى حل واقعى يمنع رسم حدود جديدة ويعيد للقطاع حياته وكرامته المطلوب فقط إرادة دولية واصطفاف حقيقى خلف المبادرات المصرية التى تريد إنهاء الحرب لا إدارتها والحفاظ على الهدنة القائمة رغم تكرار الخروقات من الجانب الإسرائيلى وسرعة تنفيذ إعادة الإعمار لإنقاذ أهل غزة من سقيع المطر وإنتشالهم من العراء إلى مساكن آدمية وهذه أقل الحقوق التى

يعلمها الجميع فهذا المطلب هو أول مقوم من مقومات الحياة التى قد تعين أهل غزة على نكبات الحرب المستمرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى