الأسبوع العربيقصة قصيرةقصص ورواياتمجلة الأديب العربي

لعله خير.. حين يكون “النقص” هو تمام النجاة!

لعله خير.. حين يكون “النقص” هو تمام النجاة!
بقلم: ريمون عصام خليل
في قديم الزمان، حيث تُكتب الأقدار بين قصور الملوك وحكمة الوزراء، نشأت صداقة تاريخية بين ملكٍ وصديقه “الوزير الأعظم”. كانت رباطاً يشبه في قوته خيوط الشمس، لا يقطعه سيف ولا تُضعفه الأيام. كان الملك عاشقاً للصيد، والوزير رفيقه الذي لا يغيب عن ظله.
في رحلة صيدٍ عابرة، وقع ما لم يكن في الحسبان؛ سقط حجرٌ ثقيل على يد الملك، فبتر إصبعه. وبينما كان الملك يصرخ من الألم، والدم يقطر من جرحه، نطق الوزير بهدوءٍ عجيب: “لعله خير يا جلالة الملك!”.
استشاط الملك غضباً، وصاح بوجه صديقه: “أي خيرٍ تراه في قطعةٍ من جسدي ضاعت؟ وأي خيرٍ في ألمٍ يمزقني؟”. لم يكتفِ الملك بالصراخ، بل أمر فوراً بإلقاء وزيره في غياهب السجن. وعندما أُغلق باب الزنزانة، نظر الوزير للملك وقال بابتسامةٍ هادئة: “لعله خير!”.
مرت الأيام، وخرج الملك للصيد وحيداً من دون رفيقه المسجون. وفي عمق الغابة، وقع الملك أسيراً في يد قبيلةٍ لا تعرف الرحمة، تقدم “القربان البشري” لآلهتها في عيدها السنوي. اقتادوه للمذبح، وشحذ الكاهن سكينه، والملك يرتجف رعباً.. وفجأة، صرخ الكاهن الأكبر: “توقفوا! هذا القربان ناقص.. إصبعه مقطوع!”.
طردوه ونبذوه لأن قوانينهم تمنع تقديم قربانٍ “معيوب”. ركض الملك كالمجنون حتى وصل قصره، ولم يذهب لعرشه، بل جرى نحو زنزانة وزيره وهو يبكي: “سامحني يا صديقي! صباعي الذي بكيتُ عليه كان هو سر حياتي.. فعلاً لعله خير!”.
لكن الملك سأل وزيره بحيرة: “أنا فهمتُ خيري في صباعي، لكن أنت.. أي خيرٍ نلته في ظلمي لك وسجنك كل هذه الأيام؟”.
ضحك الوزير ضحكةً مليئةً باليقين وقال: “يا ملكي، أنا رفيقك الذي لا يفارقك.. لو لم تسجنّي، لكنتُ معك في تلك الرحلة، ولما وجدوك (ناقصاً) وطردوك، كانوا سيلتفتون إليّ ويجدونني (كاملاً)، فكانوا سيذبحونني أنا بدلاً منك! فكان سجني هو حريتي من الموت.. فعلاً يا ملكي: لعله خير!”.
الخبطة الصحفية اليوم:
لا تحزن على بابٍ أُغلق في وجهك، أو جرحٍ أصابك، أو “نقصٍ” تراه عجزاً؛ فربما كان هذا النقص هو “صك النجاة” الوحيد الذي أرسله القدر لك لتعيش حياةً جديدة.
كنتم مع: ريمون عصام خليل
من قلب الحدث وحكمة التاريخ.

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى