
لا تقتلوا الخير خوفًا من الناس
كتبت : نعمة حسن
في زمنٍ تتكاثر فيه النصائح التي تدعو إلى الحذر من البشر، أصبحنا نسمع عبارات تتكرر في المجالس ووسائل التواصل وكأنها حكم نهائية:
“لا تثق بأحد.”
“أغلق بابك.”
“الناس تغيّرت.”
قد يبدو هذا الكلام واقعيًا للوهلة الأولى، وربما يحمل جزءًا من الحقيقة.
فالشر موجود في هذا العالم، وكان موجودًا منذ بداية الخليقة، وسيبقى إلى قيام الساعة.
لكن الحقيقة الأخرى التي لا تقل وضوحًا — والتي يبدو أننا بدأنا نغفل عنها — أن الخير أيضًا موجود، وسيبقى موجودًا ما دام في قلب الإنسان نبض إنسانية.
المشكلة لم تكن يومًا في وجود الشر.
المشكلة تبدأ حين يسمح الإنسان للخوف من الشر أن يخنق الخير داخله.
حينها يتحول الحذر إلى قسوة،
وتتحول التجارب المؤلمة إلى أحكام عامة على البشر،
ويبدأ الإنسان في إغلاق أبواب الرحمة، ليس لأن الخير اختفى من العالم، بل لأنه قرر أن يتوقف عن رؤيته.
هذه ليست مجرد مسألة أخلاقية بسيطة، بل قضية إنسانية عميقة تتعلق بجوهر وجودنا كمجتمعات.
فالأمم لم تبنَ فقط بالقوانين أو المصالح، بل بوجود منظومة قيم تحفظ التوازن بين الناس.
ولهذا كانت القيم التي تربينا عليها واضحة وبسيطة، لكنها في الحقيقة أعمدة حضارية حافظت على تماسك المجتمعات لقرون طويلة:
أكرموا الجار.
أكرموا الضيف.
اجبروا الخواطر.
أغيثوا الملهوف.
هذه ليست مجرد عبارات أخلاقية جميلة تُقال في المناسبات، بل قواعد إنسانية عميقة تشكل شبكة الأمان الخفية التي تحمي المجتمعات من التفكك.
فكر قليلًا في المجتمعات التي يختفي منها هذا النوع من القيم.
ماذا يحدث عندما يصبح كل إنسان خائفًا من الآخر؟
عندما تُغلق الأبواب، ويُعامل الناس بعضهم البعض باعتبارهم تهديدًا دائمًا؟
النتيجة ليست فقط غياب الخير…
بل غياب الطمأنينة نفسها.
الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، يعيش على فكرة أن هناك خيرًا يمكن أن يجده في الآخرين.
عندما تنهار هذه الفكرة، يصبح العالم أكثر برودة وقسوة، حتى لو لم يزد فيه الشر.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة:
حين نخاف من الشر لدرجة تجعلنا نقتل الخير، نكون قد منحنا الشر انتصارًا لم يكن قادرًا على تحقيقه وحده.
الحياة بطبيعتها متقلبة، ولا تسير في خط مستقيم كما يتخيل البعض.
الأيام تدور بين الناس، والدنيا دول.
كم من إنسان كان في موقع القوة فأصبح يومًا في موقع الحاجة.
وكم من إنسان مدّ يده بالعطاء، ثم وجد نفسه في لحظة من عمره ينتظر يدًا تمتد إليه.
لهذا كان الحكماء دائمًا يرددون عبارة قد تبدو بسيطة لكنها تختصر فلسفة الحياة كلها:
خافوا من تقلبات الزمن.
ليس خوف الضعف، بل خوف الوعي.
وعي بأن الحياة لا تعطي أحدًا ضمانات دائمة، وأن ما نزرعه اليوم قد يكون ما نحتاجه غدًا.
ولعل أجمل صورة يمكن أن نفهم بها هذه الفكرة هي أن الإنسان يعيش حياته وكأنه يفتح حصّالة خفية للأعمال الطيبة.
كل خير يفعله،
كل مساعدة يقدمها،
كل خاطر يجبره،
كل يد يمدها لإنسان محتاج…
هو قطعة نور يضعها في تلك الحصّالة.
لا أحد يعرف متى سيحتاج هذا الرصيد.
ولا أحد يعرف كيف ستعود إليه تلك الأعمال.
لكن الأيام — بطريقتها الغامضة والعجيبة — تعيد الأشياء إلى أصحابها.
ربما في دعوة صادقة خرجت من قلب إنسان ساعدته يومًا.
ربما في موقف إنساني لم يكن في الحسبان.
ربما في باب فُتح في لحظة كان الإنسان يظن فيها أن كل الأبواب أُغلقت.
فالخير — مهما بدا صغيرًا — لا يضيع.
إنه ينتقل في العالم مثل الضوء، قد لا نراه وهو يتحرك، لكنه يضيء أماكن كثيرة قبل أن يعود إلينا.
لهذا لا تجعلوا الخوف من بعض البشر سببًا في إغلاق أبواب الرحمة.
لا تسمحوا لتجربة سيئة أن تمحو قدرتكم على فعل الخير.
افتحوا قلوبكم بوعي،
وأيديكم بكرامة،
وخيركم بميزان الحكمة.
ليس المطلوب أن يكون الإنسان ساذجًا،
ولا أن يضع ثقته في غير موضعها،
بل أن يحافظ على تلك الشعلة الصغيرة من الإنسانية التي تجعل العالم قابلًا للعيش.
ففي نهاية العمر، لن يتذكر الناس ما جمعه الإنسان من مال أو مكانة.
لن يبقى في ذاكرة العالم ما امتلكه، بل ما تركه خلفه من أثر.
لن يبقى من الإنسان ما جمعه،
بل ما زرعه في قلوب الآخرين من خيرٍ ونور.
والحقيقة التي يكتشفها كثيرون متأخرين هي أن الخير الذي أعطيناه للناس…
لم يكن يومًا خسارة.
بل كان استثمارًا في إنسانيتنا… وفي أيامٍ قد نحتاج فيها ذلك الخير أكثر مما نتخيل.
حفظنا الله واياكم من تقلبات الزمن .
الله حافظ .
مع تحياتي ..





