
كرسي الإعتراف
بقلم: د.أحمد أمين
كرسي الإعتراف
يسود الصمت والهدوء المكان مما يتناسب مع حالتي
بعض الهدوء يشبه الصخب في ضجيجه
والعرق البارد يتناثر على جبهتي منذرًا بقلق وإضطراب داخلي
أحاول عمومًا ألا يظهر أثرهما علي
تراقصت الكلمات على لساني وخرجت متزاحمة
الصمت يشير أنه لا يوجد مستمع في الناحية الأخرى
ولكنني أدرك عكس ذلك
سيدي
لا أذكر بالتأكيد متى كان اللقاء الأول
كنا في بداية دراستنا الجامعية
وكنت أنا محط أنظار الجميع
شاب وسيم حلو الكلم ومفعم بالنشاط والحيوية
وهي كانت رقيقة تستند على صحباتها
تمشي خجلة في وجل
كان الغرور يملؤني
وكل ما يتمناه شاب في مثل عمري كنت أملكه
ثم مرت السنون في عجل
وتلاقينا
في الواقع لم نلتقي وجهًا لوجه
بل كان لقاؤنا الحقيقي على صفحات للتواصل
أنا أذكرك
تلك الملامح مرت بي يومًا ما
هكذا أخبرتها
أما هي فكانت تذكرني بكل تأكيد
تعلم كل شئ عن حالي
ورغم السنوات الطوال
كنت أحادثها مثل ذلك الأخرق الذي عهدته يومًا بداخلي
مازلت ألهو ويزداد نشاط عقلي حين أحادث فتاة
أي عابث صغير يتملك مني
لا أعلم
لكل منا نقطة ضعف تصبح لعنة
ذلك السيزيف ملعون بعمل لا يفيد
وهذا الإيكاروس لعنته في معرفته
وأنا لعنتي في النساء
مثل طفل كبير
أقترب من طريدتي وأحيط بها وأغمرها بكل لحظات الروعة
وعندما لا يصبح حولها غيري
وأتملك منها
أرحل
سيدي
أنا فقط طفل
والطفل لا يؤذي
بالتأكيد ليس عن قصد
فقط الطفل يصيبه الملل
وأنا ملول يعجزه التكرار وتتغلب علي لعنتي
سيدي
أنا هنا لكي أذكر خطيئتي عل الله أن يغفر لي
ولست هنا للحساب
عندما خلقنا الله جعل بداخلنا الشهوات وبخارجنا الفتن
فلم نحاسب على ماء وردناه والعطش يقتلنا
وكيف السبيل للنجاة من سيل ينهار فوق بيت في وادي
سيدي
فلتتركني أكمل حديثي
لعل ذلك الجدار القابع على صدري أن ينقض
ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا
ثم تكررت لقاءاتنا الإفتراضية
يومًا بعد يوم ولحظة بعد لحظة
حتى شعرت بهذا العابث الصغير يغادرني
ولأول مرة أشعر بالتعلق
عجيب أمرنا حين نحب
نكاد نتبادل أنفاسنا من صدر من نعشق
حتى ندرك أننا وقعنا في فخ محيط
ظاهرنا منه أننا أحرار
ولكن أقدامنا متشبسة به
مثل أفخاخ الدببة في الغابات
هل رأيتها من قبل ؟
وعندما إستسلمت لأول مرة في حياتي
إعترفت لها بمكنونات قلبي تجاهها
ورغم صعوبة الكلمات حينها
كنت كمن أزاح ثقلُا قابعًا على صدره
وأقسم لك رغم أن حديثنا كان من خلال هواتفنا
إلا أنني رأيت لمعة عينيها وبريق وجهها
ربما ببصيرة المحب
وهل يملك المحب غير بصيرته؟
ثم كان نعيم الدنيا بعد ذلك
كنت أعجب من نفسي
كيف لم ألقاها من قبل وأراها مثل ما أراها الآن
وكأنها إبنتي
تكبر ويكبر في قلبي حبها
وتنضج في عيني
ولن تصدق سيدي
ذلك العابث الصغير رحل إلى غير رجعة
أنا لم أوافقه يومًا
لكنني كنت أنتقم من وحدتي
حتى قابلتها
أي وحدة قد أجدها بعد ذلك وقلبي أصبح ملئ بها ؟
ثم ماذا بعد ؟
ثم رحلت
لما تفارقني بإرادتها ولست هنا كي أشكو ظلمًا أحاط بي
إن عدوي هنا ليس بشرًا
بل ذلك اللعين الذي زارها يومًا وجعلها مقيمة بين المستشفيات وعيادات الأطباء
وذبلت وردتي حتى أصبحت مثل عود يابس على أرضه
ولم يمهلني القدر أن ألمسها أو تكتمل بها فرحتي
نعم نعم أنا أعلم أنها إرادة الله
ولكنها رحلت
في هدوء سقطت يدها من بين يدي
وإستسلم جسدها النحيل للموت
ومتنا أنا وهي
أنا ميت يا سيدي
هل أنا معذب بسبب لعنتي
وهل لو إسترضيت كل نساء الأرض حتى غفروا لي
هل تراها تعود من جديد
في كل ليلة أدعو ربي
أود لو جمعني بها
أن تعود
أنا أنظر كل ليلة للسماء وأبكي
هنا تمكث حبيبتي
سيدي أنا أطلب المغفرة من الله
عن كل ذنوبي
وعن لعنتي
وأرجو منك الدعاء إلي
أنا أنتظر يوم رحيلي
بشغف وترقب
وفرحة
أنهيت حديثي ومسحت بعض دموع غلبت جفني وإنسالت
ثم رحلت في صمت من مكتبي
غدًا سوف أكمل إعترافي
أنا أعلم خطاياي
وسوف أذكرها كل يوم حتى يغفرها الله لي
ثم أرحل فى صمت
إلى حبيبتي
كرسي الإعتراف





