
الجزء الثاني
(قصة) البيت القديم
ساد صمت ثقيل بعد جملة “ليلى” الأخيرة. شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي لا علاقة لها بمطر الخارج. كانت السيدة “فوزية” تحدق فيّ بعينين زائغتين، كأنها تحاول تذكر ملمس الحياة من خلال ملامحي. ناولتها المفتاح النحاسي الكبير وهي تهمس بكلمات مبهمة: “الحياة سجن قصير، والرحيل أمد طويل.. اذهب يا بني قبل أن يدركك الفجر”.نزلتُ مع “ليلى” إلى الطابق الأرضي. كان الممر مظلماً، لا يضيئه سوى قنديل قديم خافت الضوء في يدها. فتحت الباب، فانبعثت رائحة “بخور” قديم ممزوجة برائحة تراب مبلل. كان الأثاث مغطى بأقمشة بيضاء، تشبه الأكفان في عتمة الليل.قالت ليلى وهي تقترب مني بشكل مريب: “لا تفتح النوافذ مهما سمعت من أصوات بالخارج، ولا تجب أحداً إن نادى باسمك.. هنا، الحدود بيننا وبينهم تتلاشى عند الفجر”.سألتها بصوت مرتعش: “من هم يا ليلى؟ ومن أصحاب البيت الجدد الذين ذكرتهم والدتك؟”.ابتسمت ابتسامة باهتة، ثم تلاشت في ظلام الممر دون أن تجيب، وأغلق الباب خلفها بقوة لم تترك لي مجالاً للتراجع.حاولتُ تهدئة روعي، فاستلقيتُ على السرير الذي بدا وكأنه لم يُلمس منذ عقود. لم تمر دقائق حتى بدأ “العزف المرعب”. لم يكن صوت مطر، بل كان صوت “خربشة” عنيفة على زجاج النافذة، وكأن أظافر بشرية تحاول اقتلاع الخشب. ثم تلاه صوت همس جماعي يأتي من تحت الأرض، أصوات تتداخل وتتصارع، تنادي باسمي: “يونس.. يونس.. اخرج إلينا.. الأرض باردة”.انتفضتُ من مكاني، وتذكرتُ تحذير ليلى. لكن الفضول القاتل دفعني لاختلاس النظر من ثقب الباب. ما رأيته جعل قلبي يتوقف للحظات.. رأيتُ الرجل صاحب البذرة القديمة يقف في الردهة، لكن وجهه لم يكن مبتسماً هذه المرة؛ كان جلده شاحباً كأنما غسل بماء الموت، وكان يتحدث مع “ليلى” و”فوزية” وهما يقفان بلا حراك، تماماً كالتماثيل.قال الرجل بصوت يشبه حفيف الشجر اليابس: “لقد حان الوقت.. أصحاب البيت الحقيقيون، الأحياء، سيصلون بعد قليل ليفتتحوا الدار بعد ترميمها.. يجب أن نعود لمكاننا تحت تلك الشجرة الكبيرة قبل أن تشرق الشمس وتحرق أرواحنا”.في تلك اللحظة، أدركت الحقيقة المروعة.. “الشجرة الكبيرة”! إنها الشجرة التي ركنتُ سيارتي بجانبها، الشجرة المتاخمة لـ “المقبرة التاريخية”. هؤلاء ليسوا بشراً، والبيت الذي أنا فيه ليس إلا أطلالاً مهجورة يراها الناس خراباً ويراها الموتى قصراً في ليلهم الطويل.فجأة، انفتح باب الغرفة بعنف! كانت ليلى تقف هناك، لكن عينيها كانتا مجرد فجوات مظلمة. صرخت في وجهي بصوت غير بشري “أسرع! لقد استيقظ الحراس ركضتُ خلفها في الممرات التي بدأت تضيق وتتحول إلى جدران من طين. وفجأة، وجدتُ نفسي أسقط في بئر عميقة من الظلام. استيقظتُ بصرخة مدوية، لأجد نفسي داخل سيارتي.. المطر توقف، والشبورة انقشعت، وخيوط الفجر الأولى تداعب زجاج السيارة.تنفست الصعداء، ظننتُ أنه كان كابوساً طويلاً.. لكن حين نظرتُ إلى المقعد المجاور، وجدتُ “المفتاح النحاسي القديم” ملقى هناك، وبجانبه ورقة مهترئة مكتوب عليها بخط يد قديم: “شكراً لأنك آنست وحشتنا.. عد إلينا حين يضيق بك عالم الأحياء”.نظرتُ خارج النافذة باتجاه الشجرة، فرأيتُ ثلاث شواهد قبور قديمة محاطة بسور حديدي مهدم، كانت الأسماء المحفورة عليها بالكاد تظهر(السيد جلال – فوزية – ليلى).انطلقتُ بسيارتي بأقصى سرعة، لا أنظر خلفي، بينما كان صدى ضحكة “ليلى” يتردد في أذني مع كل هبة ريح.





