أبطال صنعوا التاريخالأسبوع العربيحوار

«قابلت بطلا من أبطال حرب أكتوبر»

«قابلت بطلا من أبطال حرب أكتوبر»

بقلم/كندا جودة

اللواء/ عبدالحميد الريفي

حين نتحدث عن حرب أكتوبر المجيدة، فإننا لا نتحدث فقط عن معركة عسكرية حقق فيها الجيش المصري إنجازًا تاريخيًا، وإنما نتحدث عن رجال حملوا أرواحهم على أكفهم، وذهبوا إلى أرض المعركة وهم يؤمنون أن الدفاع عن الوطن شرف لا يعلوه شرف. ومن بين هؤلاء الأبطال يبرز اسم اللواء/ عبدالحميد الريفي، أحد أبناء مدينة دسوق بمحافظة كفرالشيخ، الذي عاش لحظات حرب أكتوبر وشارك فيها جنديًا وقائدًا ضمن سلاح المشاة.

تخرج اللواء عبدالحميد الريفي في الكلية الحربية في 1 يناير 1973، أي قبل حرب أكتوبر المجيدة بعدة أشهر فقط. ولم يكن يعلم وقتها أن الأيام القليلة القادمة ستحمله إلى واحدة من أعظم صفحات التاريخ العسكري المصري، وأنه سيشارك بنفسه في معركة ستظل مصر تتذكرها جيلاً بعد جيل.

كان قائد فصيلة مشاة، وسلاح المشاة كان له دور بالغ الأهمية في العبور وتحقيق أهداف القوات المصرية. فبعد عبور قناة السويس، كان رجال المشاة في مقدمة القوات التي تقدمت إلى الضفة الشرقية، في ظروف شديدة الصعوبة، وسط القتال والنيران، واضعين نصب أعينهم هدفًا واحدًا: تحرير الأرض ورفع راية مصر.

ويروي سيادته من ذكرياته عن تلك اللحظات أن العبور بدأ في تمام الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرًا، في ذلك اليوم التاريخي، السادس من أكتوبر عام 1973، الموافق العاشر من رمضان. كانت لحظة انطلاق لم تكن مجرد بداية لمعركة، بل كانت بداية لمرحلة جديدة في تاريخ مصر.

في تلك اللحظات، لم يكن هناك مكان للخوف أو التردد. كان كل جندي يعرف أن المهمة التي أمامه أكبر من حياته الشخصية؛ إنها مهمة وطن. ولذلك تحرك رجال المشاة بعزيمة وإصرار، وكل واحد منهم يحمل في قلبه صورة مصر وأهله وبيته ومدينته.

وسلاح المشاة من الأسلحة التي تتحمل جانبًا كبيرًا من أعباء القتال على الأرض. فالجندي المشاة هو الذي يتقدم، ويثبت في المواقع، ويتحرك وسط أصعب الظروف، ويواجه المخاطر مباشرة، ويظل مستعدًا لتنفيذ مهمته مهما كانت صعوبتها.
وهنا تظهر قيمة البطولة الحقيقية؛ فالبطولة ليست في الكلمات، وإنما في القدرة على الصمود عندما تصبح الظروف قاسية، وفي الالتزام بالمهمة، وفي أن يضع الإنسان مصلحة وطنه فوق مصلحته الشخصية.

ومن الحكايات التي رواها لى أيضا عن الحرب، أن لحظات العبور كانت مليئة بالمشاعر المتناقضة؛ فرحة لأن ساعة استرداد الأرض قد بدأت، وقلق على زملاء السلاح، وإصرار على الاستمرار مهما كانت التحديات. كانت أصوات المعركة من حولهم، لكن داخل كل جندي كان هناك صوت أقوى يقول: من أجل مصر نستمر.

ولم تكن الطريق سهلة. فقد واجه رجال القوات المسلحة ظروفًا صعبة، وتحملوا التعب والخطر والضغط النفسي والجسدي، وفقد الجيش المصري خلال الحرب عددًا من أبنائه الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن الوطن. ولذلك فإن الحديث عن نصر أكتوبر لا يكتمل دون أن نتذكر الشهداء الذين دفعوا أغلى ثمن حتى تعيش مصر عزيزة مرفوعة الرأس.

وكان لقادة الفصائل دور مهم في هذه الظروف؛ فالقائد لم يكن بعيدًا عن جنوده، بل كان يعيش معهم تفاصيل المعركة، ويتحمل المسؤولية معهم، ويوجههم ويشد من أزرهم، ويحرص على تنفيذ المهمة بأكبر قدر ممكن من الانضباط والثبات.

ومن هنا تأتي أهمية تجربة اللواء عبدالحميد الريفي؛ فهو لا يحكي عن حرب أكتوبر من صفحات كتاب، وإنما يتحدث عن تجربة عاشها بنفسه، وهو شاب تخرج حديثًا في الكلية الحربية، ثم وجد نفسه أمام اختبار حقيقي للوطنية والشجاعة والمسؤولية.

إن قصص أبطال أكتوبر ليست مجرد ذكريات قديمة، بل هي دروس للأجيال الجديدة. فهي تعلمنا أن النجاح يحتاج إلى إعداد وإرادة، وأن الانتصار لا يأتي من الأمنيات، وإنما من العمل والتخطيط والصبر والتضحية.

وعندما نستمع إلى أحد أبناء مدينة دسوق وهو يتحدث عن مشاركته في حرب أكتوبر، فإننا نشعر أن التاريخ ليس بعيدًا عنا، وأن أبطال تلك المعركة كانوا أبناء قرى ومدن مصر المختلفة، خرجوا من بيوتهم ومدارسهم وجامعاتهم، ثم عاد بعضهم يحملون ذكريات لا تُنسى، بينما لم يعد آخرون، لأنهم قدموا حياتهم فداءً للوطن.

لقد أثبت رجال المشاة في حرب أكتوبر أن الجندي المصري يستطيع أن يواجه أصعب الظروف عندما يمتلك الإيمان بقضيته، وأن القوة الحقيقية ليست في السلاح وحده، وإنما في الإنسان الذي يحمل السلاح، وفي عقيدته وإرادته وانتمائه لوطنه.

ويبقى سيادته واحدًا من أبناء مصر الذين ارتبطت أسماؤهم بذكرى حرب أكتوبر، وواحدًا من أبناء دسوق الذين يمكن للأجيال أن تستمع إلى شهادتهم لتتعرف عن قرب على جانب من تفاصيل تلك الأيام العظيمة.

وفي كل عام، عندما نحتفل بذكرى نصر أكتوبر، يجب ألا نتذكر فقط تاريخ السادس من أكتوبر، بل نتذكر أيضًا وجوه الرجال الذين صنعوا هذا التاريخ، ونتذكر الجنود الذين عبروا القناة، والقادة الذين خططوا، والشهداء الذين ضحوا، وكل أسرة قدمت ابنًا من أبنائها من أجل مصر.

إن أكتوبر ليس مجرد نصر عسكري، بل حكاية شعب وجيش، وحكاية إرادة لا تعرف المستحيل. وحكاية اللواء عبدالحميد الريفي، ابن مدينة دسوق، تظل شاهدًا على أن خلف كل صفحة من صفحات التاريخ بطلًا عاشها بكل ما فيها من خوف وأمل وشجاعة وتضحية.

وهكذا تظل حرب أكتوبر رسالة للأجيال: أن الوطن أمانة، وأن الحفاظ عليه يحتاج إلى العلم والعمل والإخلاص، وأن أسماء الأبطال الذين دافعوا عنه تستحق أن تبقى حاضرة في ذاكرة أبنائه دائما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى