
“فقراء للبيع” .. حين يصبح الوجع تجارة
بقلم/ هبة هيكل
في زمنٍ قال فيه النبي ﷺ:
“لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة”،
نُصدم أن الحق أحيانًا يُختطف ليُصبح ستارًا، والرحمة تتحول إلى وسيلة للثراء، وتُتاجر بها الشياطين بثوب ملائكة!
الخير.. بداية الطريق ثم انحرافٌ بشع
عندما تبدأ النية خيّرة، نُسرع جميعًا للتصفيق. زوجةٌ طيبة، مؤسسة خيرية، مشروعٌ إنساني، صفحات على السوشيال ميديا تنقل دموع المحتاجين وتُلهب مشاعر الناس.. كل شيء يبدو ورديًا، حتى تكشف الأيام أن بعض تلك “النيات” كانت مجرد ستار لباطنٍ مظلم.
أراضٍ تُمنح لمؤسسات “خيرية”، هدفها دعم المجتمع، ولكنها تتحول إلى مشروعات استثمارية. حملات تبرع باسم مرضى وفقراء، تُحرك الناس وتُثير العواطف، لكنّ الفقير يبقى فقيرًا، بل ويُطالب بأن يظل كذلك، لأنه ببساطة: “هو السلعة”!
حين يصبح الفقير ورقة للربح
في زمننا هذا، أصبح الفقراء موردًا ماليًا للبعض. تخرج المؤسسات بحملات تحمل شعارات براقة: “لأجل التعليم”، “لأجل علاجهم”، “من أجل سقف يضمهم”، وفي الكواليس.. تتحول المعاناة إلى استثمار ضخم.
بل وتجد حسابات أصحاب هذه الجمعيات تزداد تضخمًا، حياتهم تتغير، مستوياتهم المعيشية تتصاعد، بينما يظل الفقير ذليلاً، مقهورًا، ينتظر صدقة لا تصل.
الصدق أمانة.. والخيانة وبال
الدين لم يكن يومًا منفصلًا عن الواقع. قال الله تعالى:
“إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا” [النساء: 58]
وقال ﷺ:
“آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان” [متفق عليه]
فأي خيانة أكبر من أن تُجمع الأموال باسم المساكين ولا تصل إليهم؟!
وأي كذب أشنع من أن يُباع الوجع مقابل رفاهية المحتالين؟!
الخلفاء الراشدون ضربوا لنا أروع الأمثلة في تحري الصدق والأمانة.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يخشى أن يُحاسب إن تعثّرت دابة في العراق ولم يُمهد لها الطريق!
فكيف بمن يأكل حقوق الفقراء عمدًا؟! كيف بمن يسرق قوت الجائع باسم الرحمة؟!
مواقف حية.. وواقع أليم
أحدهم جمع الملايين لعلاج طفل مريض، وبالفعل انتشرت حالته وتفاعل معها المجتمع.. لكن بعد أشهر، لم يصل للطفل شيء، وتبيّن لاحقًا أن الحسابات البنكية لم تكن تخص عائلته.
مؤسسة شهيرة قُدمت لها أراضٍ من الدولة لإنشاء مشروعات تعليمية للفقراء، لكنها استخدمتها في بناء مدرسة دولية، برسوم لا يقدر عليها حتى الطبقة المتوسطة.
حالات مسنين تُعرض صورهم وأحوالهم لجمع تبرعات لدور الرعاية، بينما في الواقع لا تصلهم الأموال، وتبقى الظروف كما هي أو أسوأ!
لا تظلموا الجميع.. فبينهم من يعمل لله
وسط هذا السواد، لا بد أن نقول الحق:
نعم، هناك من يعملون لوجه الله.
نعم، هناك بلوجرز ومؤثرون وأفراد وجمعيات صادقة، يسخرهم الله لقضاء حوائج الناس.
لا يجب أن نعمم، ولا يجوز أن نظلم الجميع بسبب قلة فاسدة.
لكن، من حق الفقراء علينا أن نُدقق. أن نسأل: إلى أين تذهب أموالنا؟
قال النبي ﷺ: “من لا يَرحم لا يُرحم” [البخاري]،
لكن لم يقل: “من لا يَخدع لا يُغنى!”





