
✍️ بقلم/ أسماء أحمد علي
في ليلةٍ من ليالي توهُّج القمر، جلست “رحيل” تُحدّق في البدر المضيء، كانت تعشقه كما تعشق الطفلةُ لعبتَها المفضّلة. تنظر إليه بعيونٍ تفيض بالشوق، وتناجيه بتمتماتٍ غريبةٍ، كأنها أحجيةٌ لا يفكّ رموزها سواه. وكلما همست له بتلك التمائم، ازداد توهُّجًا، كأنّه يجيبها بإشاراتٍ خفيّة، لا تراها إلا هي.
رحيل، تلك الفتاة التي فقدت أهلها في حادثٍ مؤلم، كانت تؤمن أن أرواحهم تسكن قرص القمر، وأنها حين يتوهّج ويكتمل بدرًا، تلمح وجوههم داخله. كانت تناجيه كل ليلة، تبثّه أشواقها وهمومها، حتى نامت ذات مساء وهي تحدّثه.
واستيقظت لتجده بين يديها! نعم، القمر ذاته، قريبٌ منها كما لم يكن من قبل. ابتسم وقال:
– “تمنّي، أطلبي ما تشائين، فاليوم أنا بين يديك.”
تهلّلت رحيل فرحًا، وقالت دون تردّد:
– “أريد أهلي… لقد اشتقت إليهم كثيرًا.”
فما كان من القمر إلا أن أضاء بشدّة، لتجد أهلها أمامها، يبتسمون، يفتحون لها أذرعهم، فعانقتهم بدموعٍ لم تذرفها منذ زمن.
ناداها القمر وقال:
– “استمتعي بلقائهم يا رحيل، لكن اعلمي أن هذه الأمنية ستنتهي عند بزوغ الشمس.”
فأمضت الليلة بين أحضانهم، تضحك وتبكي، حتى صعدت الشمس في الأفق، واختفى كل شيء: القمر… أهلها… وابتسامتها.
منذ ذلك اليوم، كرهت رحيل النهار، وعشقت الليل… فقد صار الليل وطنها الوحيد، وقمره ملجأها الدائم.
وحين حكت قصتها لصديقتها، قالت لها:
– “جرّبي أن تناجي القمر… لعلّه يمنحك أمنيةً لا تزول.”
عادت رحيل للقمر وقالت:
– “أريد أمنية واحدة فقط… لا تختفي مع بزوغ الشمس.”
فردّ القمر بهدوء:
– “أنا أمير الليل… ولا سلطان لي على النهار.”





