
عودة الندلة
بقلم/ حمادة توفيق
ابتسمتْ ابتسامةً بلهاءَ وكأنها تقولُ بكلِّ صلفِ العالمِ: ها قد عدتُّ.
غلى الدمُ في عروقي غليانَ الماءِ في المِرجلِ لم أتمالك نفسي، جلستُ كضنوِ سفرٍ وقد بلغَ بي الهمُّ مداه.
خفدتْ هي إلى الداخل بحقيبة تجرها في يدها وعلى وجهها ذاتُ الابتسامةِ البلهاء، مضيت في إثرها كمجنونٍ طاشَ عقلُه، وقفتُ لدى البابِ أتلفَّت، انثنتْ على الحقيبةِ فبانَ منها ردفانِ حلوانِ ناصعا البياضِ كلوحي ثلجٍ يلتمعانِ في نورِ الشمسِ، لا أنكرُ أنها جميلة، خرود، حسناء غيداء، اختصرتْ كلَّ محاسن النساء.
فتحت حقيبتها، طفقت تُخرِجُ ما فيها فترصُّه في الدولاب وهي تسترقُ النظرَ إليَّ خِلسةً، انطلقتُ في الضحكِ كمن جُّنَ، وقفتُ أضحك وأضحك وأضحك حتى انهملت عيناي بالدموع من فرط الضحك.
تركت ما تفعله وتقدمت نحوي، فتحت الباب على مصراعيه، نظرت إليَّ دَهِشةً بعينينِ تشتعلانِ غضبًا، أوقفتُ الضحكَ.
– ما المضحك في الأمر؟
– نظراتك مضحكة، بلهاء، كذات الابتسامة التي أتيتِ بها.
– ونظراتك أنت يا شاروخان عصرك وأوانك كيف تصنفها؟
– دعكِ من هذا، لماذا أتيتِ؟
– هذا بيتي غدوتُ أو رُحتُ، أعتقدُ لستَ بحاجةٍ لمن يُذكِّرُكَ بهذا!
– أنتِ امرأة متكبرة، متعجرفة، أنفك في السماء على الدوام، تتعاملين بعنجهية بلهاء، ومن فضلك إذا لم تتعاملي في نطاق الحدود المسموح بها اذهبي ولا تأتِ مجددًا.
ابتسمت، نظرت إلى الأرض، مضت تفرك يديها مُلتاثةً، دخلت في صمتٍ تامٍّ فجلست على السرير تُقلِّبُ في هاتفِها.
ذهبتُ إلى الصالة، جلستُ على المقعد أمام التلفاز مسترخيًا، سرحتُ قليلًا في مهامهِ الفكرِ، استعاد عقلي رغمًا عني آلافَ المشاهدِ التي جمعتنا معًا.
ههنا غضبت فتفوهت بكلام أثار حفيظتي، وهناك قالت أنها تنازلت عن طموحاتها ونسب عائلتها لترتبط بي رغم أني دونها بكثير، وهنالك كانت تشوّح بيديها غيرَ آبهةٍ بكلامي، ضاربةً به عرضَ الحائطِ.
تأوهتُ، تنفستُ الصعداءَ، ثم طرأ سؤالٌ هامٌ فاستحوذَ على عقلي أيَّما استحواذٍ لماذا عادت؟!
قلت لنفسي: سأراقبها، لأكونن كظلها أو ألصق، ولأكتشفن ما تنتوي فعله!
لكن لم تمضِ سوى دقائق معدودات ورأيتُها آتيةً نحوي تجرُّ قدمينِ منهكينِ، اعتدلتُ لها متوثَّبًا، لو شتمت كعادتِها سأقتُلُها، لقد فاضَ بي ولم يعد في جعبة الصبر منزع!
– أنا حامل.
– حامل!
وقفتُ مشدوهًا، لا أصدق ما سمعت، دارت بي الأرض ومادت حتى كدتُّ أن أفقدَ توازني، جلستُ يَتلقَّفُني المقعدُ من أثر الصدمة.
حامل؟ بنت الكلب، حامل ِمن مَن؟ أنا لا أصلح للإنجاب، آه مهلًا، فهي
لا تعرف ذلك، هي تخونني إذن، لا شك أن عودتها بعد آخر مشادة كانت بيننا لها علاقة بذلك، تريد أن تلصق بي طفلًا لا أعرفه، وأن تظلَّ على خيانتها بلا رادع ولا دافع، يا للغباء! كم كنت أحمقًا أرعنًا يوم ارتبطتُّ بها، كيف انخدعت فيها بهذه السهولة؟
– مالك؟
– ألا تتكلم؟ ماذا بك؟ كأن ما حدث لا يعنيك!
– فعلًا!
– نعم؟
حاولت تدارك الموقف سريعًا، وقفت، نظرت إليها:
– لا عليكِ، لعل الخبر أذهلني، فهو لم يكن متوقعًا، لم يكن متوقّعًا على الإطلاق!
تركتها، تركت البيت بالكلية، خرجت هائمًا على وجهي، قلبي ينبض بسرعة، عيناي تذرفان وجعًا، الدنيا من حولي ضبابية، الناس مسوخ، القتامة السوداء تعمُّ المكانَ وتنتشر في الأرجاء، يا الله! ماذا بي؟ مصيبة بكل المقاييس، أنا؟ تخونني أنا؟ تنهدتُّ، الهواء ثقيل على قلبي، سيء الرائحة، مؤلم الوقع.
– على أي حال سأراقبها مراقبة تامة، ويقينًا سأكشف اللثام عن الرفيق المجهول.
مرتْ الساعات ثقيلة على قلبي كأنها الدهر، أشعر بالعار، بالخزي، بوجعٍ جمٍّ تنوءُ بحملهِ الجبالُ الرواسي، ما أصعبَ أن تُخانَ من أقربِ الناسِ إليكَ، وأن تُطعَنَ في أثمن شيء لديك، رجولتك، هذا من الأمور الثقال وأمر صعب الاحتمال، لكن مهلًا، غدًا تبرد ناري وأسترد كرامتي المهدرة، فصبرٌ جميلٌ.
في الصباحِ أخذت مسدسي كاتم الصوت من خزنتي الخاصة، أخبرتها أنني ذاهب إلى العمل، نزلت من المنزل، ركبت سيارتي، اختبأت بها غير بعيد، مرت ساعة أو بعض ساعة، فجأة لمحتها أمام المنزل تركب سيارتها، ثم سرعان ما انطلقت بها لا تلوي على شيء، وما هي إلا لحظات وكنت خلفها بسيارتي، تمامًا مثلما خططت.
وعلى بعد كيلومتر واحد توقفت بسيارتها أسفل عمارة شاهقة الارتفاع، نزلت من سيارتها، دخلت العمارة، تركت المصعد وصعدت على السلم، لعل رفيقها يسكن في الدور الأول أو الثاني، تتبعتها حتى وصلت إلى الدور الثاني، توقفت أمام أول شقة على يمين السلم، رنت الجرس، دخلت.
– حان وقت الثأر يا صاح!
أخرجت قفازين فلبستهما، تحسست مسدسي كاتم الصوت، ضغطت على جرس الباب، فتح رفيقها فرآني في وجهه، كان نصفه الأعلى عاريًا، استولت عليه دهشةٌ ظاهرةٌ وتمكن منه هلعٌ كبيرٌ.
– من أنت؟
سمعت صوتها من داخل حجرة النوم:
– من بالباب يا أحمد؟
أخرجت مسدسي، صوبته نحو قلبه مباشرةً، ضغطت الزناد، لم يحدث ذلك جَلَبَةً ولا إزعاجًا، خرجت هي مهرولةً بعدما سمعت صرخة رفيقها، رأتني أمامها أحمل مسدسي ورأت رفيقها على الأرض جثةً هامدةً، صرخت، جرت نحو الباب، جذبتها من شعرها فأبعدتها عن الباب.
– حان وقت الثأر يا خائنة!
– اسمعني أرجوك!
– فات الميعاد!
صوبتُ المسدسَ ناحيةَ بطنِها، أطلقتُ الرصاصَ فانهارتْ غارقةً في دمائِها.
وضعتُ المسدسَ في يدِها اليُمنى، وجَّهته ناحية بطنها، ثم فتحت الباب ونزلت، لا داعي من تنظيف الفوضى، القفازان لم يتركا أثرًا.
وما أن استقبلتُ الشارعَ حتى أبلغتُ الشرطة بما حدث.
الآن فقط الناس ناس، الضبابية زالت تمامًا، النَّفَسُ خفيفٌ، الهواءُ منعشٌ حلوُ الوقعِ، ليُسدلْ الستارُ إذن على المسرحيةِ العبثيةِ، يا الله! كم كانت مملةً، مرهقةً، فليصفق الجمهورُ فورًا
وبحرارة.






