اخصائي نفسيالأسبوع العربي

عصر الانهيار الأسري… الأبناء يقتلون آباءهم

عصر الانهيار الأسري… الأبناء يقتلون آباءهم
بقلم / سهير محمود عيد
ما يحدث اليوم في البيوت لم يعد يُحتمل . الأبناء يقتلون آباءهم ، ويهاجمون أمهاتهم ، والأسباب تتجاوز الفقر أو الجريمة العابرة . نحن أمام كارثة أخلاقية ونفسية ، صناعة وحوش داخل الأسرة نفسها ، مكان يفترض أن يكون ملاذًا للأمان والحب . كل جريمة من هذا النوع هي صرخة تحذر المجتمع : ما يحدث داخل البيوت أصبح خطيرًا جدًا ، والصمت الذي طال سنوات هو السبب الأكبر .
الطفل أو المراهق الذي ينشأ في أسرة غائبة العاطفة ، مليئة بالصراخ ، الإهانة ، العقاب المفرط ، أو التجاهل التام ، يحمل داخله غضبًا مكبوتًا . كل مرة يُهمل فيها ، كل مرة يُسخر من مشاعره ، كل مرة يُترك ليواجه الخوف أو الظلم وحده ، تُضاف لبنة في جدار الوحشية الذي ينمو بداخله . الغضب الذي لم يُحتوَ ، والكبت الذي لم يُعالج ، يتحول مع الوقت إلى عنف مباشر ، وقد يصل إلى القتل .
الخطورة الكبرى ليست فقط في الفرد ، بل في البيئة المحيطة . الأسرة التي تتجاهل التحذيرات ، المدرسة التي تتغاضى عن التنمر، المجتمع الذي يسخر من العلاج النفسي ، كلها أدوات تغذي الوحشية داخليًا . الطفل الذي يشعر بأن العالم كله ضدّه ، وأنه لا يوجد من يسمعه أو يفهمه ، يكبر ليصبح تهديدًا لمن حوله ، بداية من أقرب الناس إليه : والديه .
الإعلام والمجتمع غالبًا يركزون على الجريمة بعد وقوعها ، على الصدمة والعنف المرئي ، لكنه نادرًا ما يشير إلى السبب النفسي ، أو الإهمال الأسري ، أو الصدمات المكبوتة التي تراكمت سنوات . العقاب بعد الجريمة لا يعالج السبب ، ولا يعيد الضحايا . كل يوم تأخير في مواجهة مشاكل الأبناء النفسية هو خطوة نحو انفجار جديد ، خطوة نحو مأساة قد تحدث داخل أي بيت .
العقل المريض والنفس المحطمة لا يرحمان . كل صرخة تجاهلناها ، كل ألم لم نحتوِه ، كل خوف أهملناه ، كان بداية لمأساة . وإذا لم يتحرك المجتمع والأهل الآن ، لن نتحدث غدًا عن الجريمة فقط ، بل عن انهيار الأسرة بالكامل ، وعن جيل من الأبناء المكسورين الذين أصبحوا وحوشًا بيننا .
وأخيراً …….
الأبناء الذين يقتلون آباءهم ليسوا أشرارًا بالفطرة ، بل ضحايا صمت وإهمال استمر سنوات طويلة . كل بيت يغفل عن حماية طفله النفسي يزرع وحشًا داخله . إذا لم نتحرك الآن ، إذا لم نحمي العقول المكسورة قبل أن تتحول إلى أفعال قاتلة ، فلن نحمي أنفسنا ولا أسرنا ، وسنظل نرى الدماء تتساقط داخل البيوت قبل أن تصل إلى الشوارع . الأسرة الواعية ، العلاج النفسي المبكر ، والاحتواء العاطفي هم السلاح الوحيد لإنقاذ الأرواح ومنع الانهيار الكامل .
سهير محمود عيد / صوت صادق بين صخب الكلمات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى