الأسبوع العربيمقالاتمنوعات

حين يتحول التعليم إلى تجارة

حين يتحول التعليم إلى تجارة

بقلم / عمانوئيل ماجد مساعد

كان التعليم يومًا رسالة، يحملها المعلم بعلمٍ وأمانة، ويستقبلها الطالب بحلمٍ وأمل. لكن مع مرور الوقت، بدأنا نشهد ظاهرة مؤلمة؛ حيث تحوّل التعليم عند البعض من رسالة نبيلة إلى تجارة تُدار بمنطق الربح والخسارة……

ألقابٌ براقة تملأ مواقع التواصل الاجتماعي؛ “وحش الجغرافيا”، “عبقري الفيزياء”، “أسطورة التاريخ”، وكأن المنافسة لم تعد على تقديم العلم، بل على جمع أكبر عدد من المشاهدات والمتابعين. وبين هذا وذاك، أصبح الطالب وولي الأمر ضحية سباق لا ينتهي.

وكان المعلم صاحب رسالة قبل أن يكون صاحب دخل، يجلس بالساعات يشرح ويتعب ويُخرج أجيالًا صنعت الأوطان. كانت الحصة بجنيهين أو ثلاثة، لكن قيمتها كانت أكبر من المال، لأن الهدف كان صناعة إنسان متعلم، لا صناعة “ترند” أو جمع متابعين.

فإلى أين نسير؟

هل أصبح التعليم تجارة تُباع فيها أحلام الطلاب؟

وهل أصبح الطالب الفقير محكومًا عليه بالفشل إذا لم يستطع دفع تكلفة الدروس؟

ومن يتحمل المسؤولية؟ هل الطالب الذي انساق وراء الهدايا والرفقة وضياع الوقت دون وعي؟ أم الأسرة التي تركت أبناءها دون متابعة حقيقية؟ أم الدولة التي لم تستطع القضاء على هذه الظاهرة؟ أم بعض المدرسين الذين حولوا الرسالة السامية إلى تجارة مفتوحة؟
وهل يُعقل أن يصبح بعض من يمارسون التدريس غير مؤهلين أصلًا، بينما تُرفع الشعارات والألقاب وتُباع الأحلام للطلاب وأولياء الأمور؟

حصص خصوصية بأسعار تتجاوز أربعمائة وخمسمائة جنيه، وكتب خارجية وملازم وبولفات تُباع تحت شعارات مختلفة، حتى كتاب الوزارة في نظر البعض مجرد ورقٍ مهمل. أما وسائل التواصل الاجتماعي، فقد ساهمت في صناعة نجومٍ جدد، لكنها في الوقت نفسه أبعدت الكثيرين عن جوهر العملية التعليمية.

إلى أين نسير؟ وهل أصبح مستقبل الطالب مرهونًا بقدرة أسرته المادية؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ هل هي الأسرة؟ أم الطالب؟ أم بعض المعلمين الذين استبدلوا الرسالة بالتجارة، وأصبحوا يتلاعبون بأحلام الطلاب وطموحاتهم؟

إن الأزمة ليست أزمة طالب وحده، ولا أسرة وحدها، ولا معلم وحده، بل هي مسؤولية مشتركة، لكن الأخطر من ذلك أن الجميع أصبح يتعامل مع الأمر وكأنه واقع طبيعي.
الطلاب يذهبون أحيانًا ليس حبًا في العلم، بل من أجل الهدايا، أو لمجرد الصحبة، أو لقضاء الوقت، بينما يدفع ولي الأمر من قوت يومه على أمل مستقبل أفضل لابنه.

إلى متى سيظل التعليم سوقًا مفتوحًا؟ وإلى أي طريق نسير؟ وهل سننتظر حتى تضيع أجيال كاملة، ثم نبحث عن السبب؟

لقد كان التعليم في الماضي يصنع العقول، أما اليوم، فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة:……..

هل ما زلنا نُعلم أبناءنا حقًا، أم أننا نحول العلم إلى سلعة، ونترك مستقبل أجيال كاملة رهينة لمن يدفع أكثر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى