حين انكسر الضوء فـأبصرت ذاتي المحجوبة
قلم/وائل عبد السيد
المشهد الأول: انكسار المرايا
المكان: مرسم واسع في طابق علوي، جدرانه زجاجية تطل على المدينة، لكنها مغطاة باللوحات.
الزمان: ساعة الغروب، حيث يمتزج الضوء البرتقالي بظلال المساء.
كان “زيد” يقف أمام لوحته الضخمة، يمسك بفرشاته كأنها مشرط جراح. لم يكن يرسم مجرد وجوه، كان يطارد “الضوء”. بالنسبة له، العالم ليس بشراً ولا حجرًا، بل هو انعكاس الضوء على الأسطح.
“قليل من الأرجواني هنا.. وستكتمل الحقيقة،” همس لنفسه وهو يغمض عيناً واحدة ليضبط زوايا الظل. كانت الغرفة تعج برائحة زيت الكتان والتربنتين، والهدوء لا يقطعه إلا احتكاك شعيرات الفرشاة بالقماش الخشن.
فجأة.. حدث شيء غريب.
اللون الأرجواني الذي كان يضعه بدأ “يسيل” خارج حدود اللوحة، ليس في الواقع، بل في عينه. رمش مرتين، ظن أنها مجرد إرهاق من ساعات العمل المتواصلة. لكن بقعة سوداء صغيرة، تشبه نقطة حبر سقطت في كأس ماء، بدأت تتسع في مركز رؤيته.
وضع الفرشاة ببطء. نبضات قلبه بدأت تتسارع، مسموعة في أذنيه كطبل بعيد.
“ليس الآن..” تمتم بصوت مرتعش.
نظر نحو النافذة ليرى غروب الشمس، لكن قرص الشمس بدا باهتاً، كأنه يتلاشى خلف ضباب كثيف لم يكن موجوداً قبل لحظات. حاول الإمساك بحافة الطاولة، لكن يده أخطأت التقدير، فارتطمت بمرطبان الألوان ليسقط على الأرض محدثاً دويًا هائلاً، متبعثراً في كل مكان.
الظلام لم يكن أسوداً في البداية؛ كان رمادياً كئيباً يبتلع التفاصيل. وجوه الأشخاص في اللوحات المعلقة على الجدران بدأت تختفي، واحداً تلو الآخر، كأنهم يغادرون الغرفة ويتركونه وحيداً.
صاح زيد منادياً، لكن صوته بدا غريباً، كأنه يأتي من تحت الماء. ارتمى على الكرسي، وأطبق جفنيه بقوة، يدعو أن يفتح حواسه ليجد الضوء قد عاد. لكنه عندما فتح عينه للمرة الأخيرة في ذلك المشهد، لم يجد إلا سواداً مطبقاً.. سواداً لا يشبه الليل، بل يشبه العدم.
في تلك اللحظة من السكون المرعب، ومن وسط هذا الفراغ البصري، انبعث من أعماق صدره صوت خفي، لم يسمعه بأذنيه، بل بقلبه.. نغمة واحدة، هادئة، بدأت تتشكل كبداية لـ “ترتيلة” غامضة.
كانت تلك هي اللحظة التي انكسر فيها بصره.. لتبدأ رحلة بصيرته.






