
حكم أمريكي يعفى ايران من تعويضات ضحايا المارينزببيروت
كتب ضاحى عمار
شهدت الأوساط الأميركية تطوراً قضائياً مثيراً للجدل حين أصدرت محكمة استئناف أميركية حكماً يُعفي إيران من دفع تعويضات لعائلات ضحايا تفجير مقر المارينز في بيروت عام 1983، في خطوة أثارت ردود فعل واسعة حول العالم. تلك القضية التي مضى عليها أكثر من أربعة عقود أعادت مجدداً تسليط الضوء على مفهوم الحصانة السيادية ودوره في حماية الحكومات الأجنبية من المسؤولية أمام القضاء الأميركي. وقد جاءت هذه التطورات بعد أن ألغت المحكمة حكمًا سابقًا كان يلزم البنك المركزي الإيراني بتعويضات قدرها 1.68 مليار دولار.
وعن هذا التطور، يرى المحلل السياسي والصحفي محمود الريان أن قرار المحكمة يعكس التعقيدات القانونية والسياسية في التعامل مع القضايا الدولية، خاصةً عندما يتعلق الأمر بدولة مثل إيران، التي تعتبرها واشنطن داعمة للإرهاب. ويوضح الريان أن الحصانة السيادية تعد مسألة شائكة في العلاقات الدولية، فهي من جهة تحمي الحكومات الأجنبية وتتيح لها أداء دورها السيادي دون تدخلات قانونية من دول أخرى، ومن جهة أخرى تعيق حقوق المتضررين في الحصول على تعويضات عادلة. ويضيف أن الحكم الصادر يؤكد التزام الولايات المتحدة بقوانينها المتعلقة بالحصانة السيادية، رغم ما تحمله من تعارضات مع موقفها السياسي تجاه إيران.
وبينما تسعى عائلات الضحايا لتحقيق العدالة ومحاسبة إيران على ما يصفونه بدعمها للهجوم الانتحاري على مقر المارينز في بيروت، أشار المستشار السياسي والقانوني سيد مهران إلى أن القرار يعيد تحديد حدود الحصانة السيادية، التي يكفلها القانون الأميركي لحماية الحكومات الأجنبية، موضحاً أن تلك الحصانة تشمل في بعض الحالات حتى الجرائم التي يتهم بها حكومات أو جهات سيادية، وهو ما أثار خيبة أمل لدى عائلات الضحايا الذين كانوا يأملون في الحصول على تعويضات لمواساتهم عن فقدان أحبائهم. ويرى مهران أن المحكمة الأميركية في مانهاتن أرست بقرارها هذا سابقة قانونية، قد تؤثر مستقبلاً على قضايا مشابهة تسعى لمصادرة أصول حكومية أجنبية لتعويض ضحايا الهجمات.
وبالعودة إلى الحكم، فقد أصدرت المحكمة قرارها بأغلبية ثلاثة أصوات دون معارضة، مؤكدةً على أن قانون الحصانة السيادية يحمي البنك المركزي الإيراني من المساءلة القانونية أمام المحاكم الأميركية، حتى في ظل وجود قانون اتحادي صدر في 2019 بهدف تسهيل مصادرة الأصول الإيرانية الموجودة خارج الولايات المتحدة. وقد تم إرجاع القضية إلى محكمة أخرى للنظر في مسائل تتعلق بقوانين الولاية، التي لم يتم تناولها بشكل كافٍ في الحكم الأول، مما يعني أن القضية قد تعود مرة أخرى للمحاكم، ولكن دون ضمان لنجاحها في تحقيق مطالب عائلات الضحايا.
ويعلق الريان قائلاً إن هذا الحكم ليس فقط مسألة قانونية بحتة، بل يعكس أيضاً جوانب سياسية عميقة، حيث أن إيران، رغم كافة العقوبات والاتهامات الأميركية، استطاعت الحفاظ على حقوقها السيادية داخل الأراضي الأميركية. ويشير إلى أن هذا التزام قانوني يُظهر قدراً من الحياد في القضاء الأميركي، لكنه في الوقت ذاته يتحدى تطلعات السياسة الأميركية الرامية للضغط على إيران بطرق غير تقليدية.
على الصعيد الآخر، يعبر مهران عن قلقه من أن هذا الحكم قد يُشجع بعض الدول والمنظمات الداعمة للإرهاب على استخدام الحصانة السيادية كدرع لحماية أصولها من المصادرة، مما يجعل مسألة تحقيق العدالة للضحايا أكثر تعقيدًا. ويرى مهران أن القرار قد يكون له تداعيات سلبية على علاقات واشنطن مع حلفائها الذين يرون في هذه الأحكام دعماً غير مباشر للدول المتهمة بدعم الإرهاب، ويشير إلى أن دولاً أخرى قد تجد نفسها في وضع مماثل إذا ما حاولت متابعة قضايا تعويضات في المحاكم الأميركية.
وتجدر الإشارة إلى أن تفجير مقر المارينز في بيروت عام 1983 كان من بين أسوأ الهجمات التي تعرضت لها القوات الأميركية، حيث أسفر عن مقتل 241 جندياً وإصابة عدد كبير. وقد ألقت الولايات المتحدة باللائمة على حزب الله اللبناني، المدعوم من إيران، في تنفيذ الهجوم لصالح طهران. ويرى بعض المحللين أن الإدارة الأميركية السابقة بقيادة الرئيس دونالد ترامب كانت قد فرضت عقوبات شديدة على إيران، بما فيها فرض عقوبات على حزب الله ومنع وصوله إلى أموال في الخارج، مما أضاف طبقة جديدة من التوترات بين البلدين.
وفي هذا السياق، يشير الريان إلى أن قضية الحصانة السيادية يمكن أن تكون بمثابة عائق كبير في تحقيق العدالة في مثل هذه الحالات، حيث تعتمد الحكومة الأميركية في كثير من الأحيان على العقوبات السياسية والاقتصادية كبديل عن التعويضات القانونية المباشرة للضحايا. ويضيف أن هذا الحكم قد يؤدي إلى تصاعد الضغوط من عائلات الضحايا على الإدارة الأميركية للتدخل سياسياً من أجل إيجاد سبل لتعويض المتضررين.
ويؤكد مهران أن الحكم يعكس التوجهات الحديثة للقضاء الأميركي، الذي يبدو أكثر التزاماً بتطبيق القانون بصرف النظر عن التوجهات السياسية، ولكنه يحذر من أن الحصانة السيادية قد تتحول إلى سلاح يمكن استغلاله من قبل بعض الأنظمة للتهرب من المسؤولية، لا سيما في الجرائم المتعلقة بالإرهاب.
في النهاية، يظل قرار المحكمة الأميركية هذا بمثابة مؤشر على التحديات التي تواجه نظام العدالة الأميركي في التوفيق بين حماية الحقوق السيادية للدول وبين حقوق الضحايا، ويدعو الريان إلى ضرورة مراجعة القوانين التي تمنح الحصانة السيادية، بحيث لا يتم استخدامها كغطاء للتهرب من العدالة، بينما يطالب مهران بتشديد العقوبات الدولية على الدول التي تدعم الإرهاب كبديل عن الإجراءات القانونية المعقدة




