اخصائي نفسيالأسبوع العربيخاطرة

بين ما نُخفيه وما نكونه

بين ما نُخفيه وما نكونه

بقلم الكاتبة ماريان عماد
أخصائي الصحة النفسية وتعديل السلوك

لسنا كما نبدو دائمًا.
هناك مسافة خفية بين صورتنا في أعين الآخرين، وحقيقتنا حين نغلق الأبواب ونبقى وحدنا.

نضحك كثيرًا في العلن، لا لأننا سعداء بالضرورة، بل لأن الضحك صار وسيلة دفاع أنيقة. نتقن أداء أدوارنا اليومية: الموظف المجتهد، الصديق المتماسك، المرأة القوية، الرجل الذي “لا يهتز”. نؤديها بإتقان، حتى نكاد نصدقها نحن أنفسنا.

لكن في لحظة صمت، حين يهدأ الضجيج، تظهر النسخة الأخرى…
نسخة الأسئلة المؤجلة، والتعب الذي لم نسمِّه، والمشاعر التي اعتدنا دفنها تحت عناوين كبيرة مثل “مش وقته” و“لازم أكمّل”.
الغريب أننا لا نخاف الألم بقدر ما نخاف الاعتراف به.

الاعتراف بأننا تعبنا، بأننا لم نعد نحتمل، بأننا نحتاج إلى التوقف قليلًا دون أن نشعر بالذنب. في عالم يمجّد الصمود الدائم، يصبح التعب خطيئة، والضعف عيبًا، والبوح ترفًا لا يليق.

ومع ذلك، لا شيء يُنقذ الإنسان أكثر من لحظة صدق مع نفسه.
أن يعترف بما يشعر به، لا ليشكو، بل ليُخفّف الحمل. أن يسمح لنفسه بأن يكون إنسانًا عاديًا، لا بطلًا طوال الوقت.

نحن لا نحتاج إلى حلول كبرى بقدر ما نحتاج إلى فهم أعمق.
أن نفهم أن القلق رسالة، والحزن مرحلة، وأن الانكسار لا يعني النهاية، بل أحيانًا يعني بداية مختلفة.
ربما النضج الحقيقي هو أن نتصالح مع هشاشتنا، لا أن نحاربها.

أن نعرف متى نتماسك، ومتى نسمح لأنفسنا أن نضع أيدينا على قلوبنا ونقول: “أنا محتاج أهدى”.
في النهاية، ما نُخفيه لا يختفي حقًا.
يظل معنا، يطرق في صمت، ينتظر لحظة إنصات. وحين نصغي، لا ننهار كما نظن، بل نبدأ في التماسك بشكل أصدق… تماسك لا يقوم على الإنكار، بل على الفهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى