
امرأة تأخر قلبها فدفع الثمن
بقلم / سهير محمود عيد
لم تكن تبحث عن حب، ولم تكن تنتظره، ولم تترك له مكانًا في حياتها. عاشت سنواتها الطويلة باعتقاد ثابت أن بعض الناس خُلقوا ليستمروا لا ليجربوا، وأن القلب يمكن أن يظل مغلقًا دون أن يشعر صاحبه بأي نقص. لم يكن هذا تحصنًا، بل قناعة هادئة.
وحين حدث، لم يحدث باعتراف ولا بوعد. جاء كخلل بطيء في الإيقاع، كفكرة لم تُدعَ، ثم إحساس لم يُسمَّ. شيء تسلل إلى داخلها بينما كانت تمارس حياتها كما هي، دون استعداد، ودون رغبة حقيقية في الفهم. أنكرت طويلًا، ليس خوفًا، بل لأنها لم تتعلم يومًا كيف تُعيد ترتيب نفسها على هذا الأساس.
كانت تحب دون إعلان، وتتألم دون شكوى. لم تقل شيئًا، ولم تطلب شيئًا، ولم تتصرف كمن ينتظر مقابلًا. دخلت التجربة بعمر متأخر وقلب بلا تاريخ، بينما دخلها الطرف الآخر بخفة من يعرف الطريق جيدًا. لم يكن ظالمًا بالمعنى الواضح، لكنه كان أقل اكتراثًا، وهذا وحده كان كافيًا.
لم يرَ في صمتها عمقًا، ولا في تحفظها ثقل قرار. لم يفهم أن التأخر عن الحب لا يعني البرود، بل يعني أن الخطوة الأولى تُكلف أكثر مما تُكلف غيرها. بالنسبة له، كان الأمر عابرًا، وبالنسبة لها، كان أول اختلال حقيقي في عمر كامل من التماسك.
الوجع لم يكن صاخبًا.
كان باردًا، متدرجًا، ومهينًا.
أن تُوجع دون خيانة واضحة،
أن تُستبعد دون مواجهة،
وأن تُترك أمام حقيقة قاسية: أن العمر لا يمنح حصانة، وأن الصبر الطويل لا يُكافأ حين يحين وقت الخسارة.
انسحبت بهدوء يشبه المحو. لم تُنهِ شيئًا، ولم تُغلق بابًا، لكنها خرجت من التجربة وهي تعرف أن شيئًا ما لن يعود كما كان. لم تخسر شخصًا، بل خسرت اعتقادًا قديمًا كانت تعيش عليه: أن التأني يحمي، وأن العقل يُنقذ، وأن القلب حين يُغلق طويلًا يبقى صالحًا إذا فُتح متأخرًا.
ما تبقّى منها لم يكن حزنًا، بل فراغًا منظمًا. وعي زائد، شعور أقل، ومسافة ثابتة بينها وبين أي احتمال. لم تكره الحب، لكنها شطبته من حياتها كما تُشطب فكرة ثبت فشلها دون حاجة لإعادة التجربة.
لم يحدث شفاء.
ولم يحدث تصالح.
ولم يتبقَّ ما يستحق الانتظار.
ما تبقّى كان امرأة تستكمل حياتها بدقة آلية، تؤدي أدوارها اليومية دون خلل، دون رغبة في القرب، ودون استعداد لدفع ثمن جديد. الحب لم يعد احتمالًا، ولا مخاطرة، ولا وهمًا جذابًا.
صار خطأً تم تسجيله مرة واحدة…
ثم شُطب إلى الأبد.
لا تتمنى لو عاد الزمن، ولا تسأل: ماذا لو؟
تعرف فقط أن القلب الذي تأخر طويلًا، حين يخطئ مرة، لا يُمنح رفاهية الندم.
هكذا انتهى الأمر.
دون ضجيج.
دون خسارة معلنة.
ودون أمل يستحق الذكر.





