أخبارأخبار الأزهرأخبار الأسبوعأخبار محليهأدبأدب وشعراتحاد الشبابالأسرة والطفلالاتحاد الشبابيالثانوية الأزهريةالطب النبوىالكشافة والمرشداتتعليمتقاريرثقافةجامعات ومدارسحوارخاطرةدنيا ودينقرأت لكقراءة نقديةقصة دينيةمقالات

القرآن في حياتي: سكنٌ دائم ونور لا ينطفئ

القرآن في حياتي: سكنٌ دائم ونور لا ينطفئ

بقلم أ.د/ هبة شوقى راشد 

منذ اللحظة الأولى التي فتحت فيها عيناي على الدنيا، وجدت القرآن الكريم لا يُعلَّم لي، بل يُغرس فيّ.

كان جدي، رحمه الله، شيخًا من مشايخ الطريقة الصوفية، لا يكتفي بتعليمي الحروف، بل يزرع في قلبي معنى الذكر، ويعلّمني أن القرآن ليس كتابًا يُقرأ، بل حياة تُعاش.

في بيتنا، كان القرآن حاضرًا في كل زاوية، في كل صوت، في كل لحظة.

وحين أدخلني أبي الحبيب مدرسة خاصة، لم يبخل عليّ بشيء، بل اختار لي مدرسة تُعلّم القرآن، وتُنصت له، وتُرتّله جماعةً حتى ترتجّ الجدران بخشوع.

كنت أرى في ذلك الصوت الجماعي طهارةً لا تُوصف، وكأننا نُعيد ترتيب الكون من جديد، نُعيد بناء أرواحنا بالحرف والنور.

كبرت، وكبر معي قرآني.

لم يكن مجرد تلاوة، بل صار دمي، يسري في عروقي، يحمل في كل قطرة منه حرفًا من نور، ومعنى من حياة.

صار مصحفي رفيقي، لا يفارقني، لا في فرح ولا في حزن، لا في سفر ولا في سكون.

كلما قرأت القرآن، شعرت أنني أبحر في أعماق الكون، أطير من سماء إلى سماء، أجد فيه ما فقدته، وأستعيد فيه ما ظننته ضاع.

أناس فارقونا، مشاعر غابت، حنان افتقدناه… كل ذلك يعوّضه القرآن، لا بالكلمات فقط، بل بالسكينة التي يزرعها في القلب، وبالراحة التي يسكبها في الصدر.

حتى الألم الجسدي، كنت أداويه بالقرآن.

إذا شعرت بألم، لا أشتكي، بل أضع يدي فوق موضعه، وأقرأ ما تيسّر من القرآن الكريم، فيزول.

هكذا علّمني جدي، وهكذا عرفت أن الشفاء ليس في الدواء وحده، بل في الذكر، في الحرف، في النور.

ومع مرور السنوات، أدركت الفرق العميق بين الحروف التي نقرأها في الكتب والصحف، وبين كلمات الله.

رغم أنها نفس الحروف، إلا أن كلمات الله تُضيء القلوب، تُنير العقول، تُشرق على الوجوه، وتُطهّر الأرواح.

ليست كأي كلمات، وليست كأي حروف.

حياتي لم تكن سهلة، بل كانت مليئة بالابتلاءات، لكنني لا أراها إلا عامرة.

عامرة بالقرآن، عامرة بالذكر، عامرة بالمعنى.

ولهذا، أنا فخورة بها.

نسيت كل الآلام، لأجل هذه الحياة التي يسكنها النور، ويقودها الحرف، ويُضيئها الذكر.

خاتمة: دعوة من نور إلى كل بيت

إن ما غرسه جدي في قلبي منذ الطفولة، وما احتضنه أبي بحب، وما رافقني في مدرستي، لم يكن مجرد تعليم… بل كان تأسيسًا لحياة تُبنى على النور.

القرآن ليس رفاهية تربوية، بل ضرورة وجودية. هو الحصن، والدواء، والرفيق، والمُعلّم الذي لا يغيب.

ولهذا، أوجّه دعوتي لكل أمٍ وأبٍ، لكل من يحمل مسؤولية تربية قلبٍ صغير:

علّموا أبناءكم القرآن، لا كواجب مدرسي، بل كرفيق حياة.

اجعلوه يسكن بيوتهم، يرافقهم في فرحهم وحزنهم، يكون لهم نورًا في الظلمة، وسكينة في الزحام، وشفاءً في الألم.

فمن شبّ على القرآن، شبّ على النقاء، على الفهم، على الرحمة.

ومن عاش مع القرآن، عاش في حضرة المعنى، لا يضيع، ولا يُكسر، ولا يُهزم.

علموا أبناءكم أن الحرف نور، وأن الكلمة حياة، وأن الآية سفينة.

فمن رُبّي على القرآن، لا يُغرقه بحر، ولا تُطفئه ريح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى